من خلال إظهار علمي بلدي أصوله على حذائه خلال المباراة الافتتاحية لإسبانيا، أعاد موهبة برشلونة الشابة إشعال نقاش محتدم حول الهوية والولاء والعنصرية.
إشادة من ضفة المتوسط وهجوم من الضفة الأخرى.
ثلاثة رموز على حذاء واحد
لم يمرّ التفصيل مرور الكرام عند انطلاق المباراة. فخلال المباراة الافتتاحية للمنتخب الإسباني أمام الرأس الأخضر في كأس العالم 2026، ظهر لامين يامال بحذاء «أديداس» مخصص يحمل علم المغرب، تكريماً لأصول والده، وعلم غينيا الاستوائية، إشارة إلى إرث والدته.
وليست المسألة متعلقة برمزين فقط، بل بثلاثة: فحذاؤه يحمل أيضاً الرقم «304»، وهي الأرقام الثلاثة الأخيرة من الرمز البريدي لحي روكافوندا، حي المهاجرين شمال برشلونة، حيث نشأ. إنه تكريم ثلاثي — للأب، للأم، وللحي — منقوش على أداة موهبته.
وتكتسي هذه اللفتة دلالة أكبر بالنظر إلى أن المغرب حاول طويلاً استقطابه. فقد روى المدرب السابق وليد الركراكي أنه حاول إقناعه بالانضمام إلى «أسود الأطلس»، دون جدوى، إذ أجابه يامال، وفق روايته: «مدرب، أشعر بأنني إسباني، ألعب لإسبانيا منذ أن كنت صغيراً». كما قامت غينيا الاستوائية بدورها بمحاولة لاستمالته.
وُلد في كتالونيا واختار «لا روخا»، لكنه لم يتنكر لجذوره. فهو يُظهر بانتظام ارتباطه بالمغرب عبر شبكات التواصل الاجتماعي، من الوجبات العائلية إلى علاقته الوثيقة بجدته المغربية، التي ترافقه في المناسبات الكبرى.
إشادة من جهة وهجوم من جهة أخرى
جاءت ردود الفعل وفق خط انقسام واضح. فمن الجانب المغاربي والإفريقي، قوبلت هذه اللفتة باعتبارها مصدر فخر معلن، إذ رأى فيها أحد المتابعين «إشارة جميلة إلى إرثه».
أما في إسبانيا، فقد تصاعد الجدل. فغياب العلم الإسباني عن الحذاء أعاد إشعال النقاشات حول الهوية والولاء الوطني، بعدما انطلقت الحملة من شبكات التواصل الاجتماعي الإسبانية قبل أن تتلقفها عدة وسائل إعلام. وبالنسبة إلى البعض، كان الأمر دليلاً على نقص في الوطنية تجاه إسبانيا؛ أما بالنسبة إلى مشجعين أفارقة، فقد أعاد ذلك الشعور بالأسف على «ما كان يمكن أن يكون» لو اختار تمثيل بلد آخر.
والأهم أن هذا الجدل يأتي في مناخ سام يلاحق اللاعب منذ فترة. فقد تعرّض يامال مراراً لموجات من الهجمات العنصرية؛ ففي أفريل، طالبه بعض المشجعين بـ«العودة إلى المغرب» خلال إحدى المباريات، فيما تواصل صفحات على الإنترنت مضايقته عبر إعادة نشر صورة له بقميص المنتخب المغربي.
ومن هنا، لم تعد لفتة الحذاء مجرد تفصيل في المظهر، بل تحولت إلى رد.
معضلة مزدوجي الجنسية
بالنسبة إلى الجاليات المغاربية، تلامس قضية يامال وتراً حساساً ومعروفاً. فهي تجسد ظاهرة تتجاوز لاعباً واحداً، وتتعلق بالمواهب المنحدرة من الهجرة، التي تعجز اتحادات بلدان الأصول عن الاحتفاظ بها أمام جاذبية المنتخبات الأوروبية.
ويقدم كأس العالم 2026 مثالاً آخر عاشه الجانب التونسي بمرارة: ياسين عياري، المولود في السويد من أب تونسي، والذي حاولت تونس استقطابه قبل سنة 2022، اختار في النهاية المنتخب السويدي، قبل أن يسجل ثنائية في مرمى نسور قرطاج قبل أيام قليلة.
مساران مختلفان ومعادلة واحدة. يامال حسم خياره لصالح إسبانيا، لكنه يضع المغرب على قدميه؛ وعياري اختار السويد، لكنه كبح فرحته احتراماً لأصول والده.
بين البلد الذي يكوّن والبلد الذي ينقل الدم، يرفض هؤلاء الشباب غالباً حصر انتمائهم في هوية واحدة، وهذا الرفض تحديداً هو ما لا يتحمله البعض، من الجانبين.
ويلخص أحد المحللين المعنى العميق لقضية يامال بالقول إنه قد يكون «وجه إسبانيا الجديدة»، بلد يتشكل أكثر فأكثر بفعل الهجرة، وتنوع يتبناه كثيرون، لكن «آخرين قد ينقلبون عليه إذا سارت الأمور بشكل سيئ».
في العمق، كان زوج من الأحذية كافياً لتكثيف نقاش مجتمعي كامل: هل يمكن أن يكون الإنسان منتمياً بالكامل إلى مكان ما، من دون أن يتوقف عن الانتماء إلى مكان آخر؟
وبالنسبة إلى ملايين الشباب من أبناء الجاليات، من برشلونة إلى تونس، تبدو إجابة لامين يامال — حمل انتماءاته الثلاثة دون التنكر لأي منها — أقرب إلى البديهية منها إلى الاستفزاز.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية