اجتاح لون واحد ملاعب كرة القدم: الوردي الفوشيا، الذي ظهر في أقدام عدد كبير من اللاعبين.
و بعيدًا عن كونه مجرد موضة عابرة، يعكس هذا التوحّد اللوني آلية تجارية محكمة، يتحول فيها وقت اللعب إلى موسم مبيعات. قراءة في خلفيات الظاهرة.
منذ المباريات الأولى، فرضت الظاهرة نفسها. فقد ظهر عدد كبير من اللاعبين بأحذية وردية، بعضها أكثر لمعانًا من غيره بحسب الطراز. وبصورة أدق، ارتدى قسم واسع من اللاعبين أحذية تهيمن عليها ألوان الوردي أو الفوشيا أو درجات فلورية قريبة منها، من دون أن يكون اللون موحدًا تمامًا لدى الجميع.
و خلف هذا التأثير الجماعي، تقف ثلاث حملات تجارية منفصلة: فقد أطلقت أديداس حزمة «Road to Glory»، وطرحت نايكي مجموعة «Breakout»، فيما قدمت بوما حزمة «Showtime». وعمليًا، صبغت أديداس بالوردي أحذية Predator وCopa وF50، بينما اعتمدت بوما اللون ذاته في طرازات Future 9 وUltra 6 وKing 20.
ينبغي قلب زاوية النظر. فبالنسبة إلى غالبية اللاعبين المرتبطين بعقود، يندرج اختيار اللون ضمن الحملة العالمية للشركة المجهزة لهم، حتى وإن احتفظ بعض النجوم بنماذج مخصصة. و تمثل كأس العالم الواجهة الأضخم لإطلاق الطرازات الجديدة.
و تُستخدم حزمة «Breakout» منصة لإطلاق الجيل الجديد من أحذية Mercurial 2026، المصممة خصيصًا للمسرح العالمي. أما لدى أديداس، فتغطي مجموعة «Road to Glory» عائلات F50 وPredator وCopa، مع طباعة شعار البطولة على النعل الداخلي، ووضع صورة الكأس على العبوات، وهي إشارات تحول الحذاء إلى قطعة قابلة للاقتناء مرتبطة بتاريخ المونديال.
تتداخل هنا منطقان. الأول بصري: على العشب الأخضر، يبرز اللون الوردي بشكل لافت، سواء من المدرجات أو عبر شاشات التلفزيون.
و يتضاعف هذا التأثير بفعل تفصيل مرتبط بالرزنامة: لا يستخدم أي من المنتخبات الـ48 اللون الوردي لونًا رئيسيًا لقميصه، ما يجعل الأحذية أكثر بروزًا بفضل التباين. وهكذا يمنح الفوشيا أعلى درجات الظهور في اللقطات الواسعة كما في الإعادات البطيئة.
أما المنطق الثاني، فيرتبط باتجاه جرى توقعه مسبقًا، وهنا يتعلق الأمر بفرضية معقولة لا بدليل على تنسيق بين الشركات: فقد تفسَّر هذه المقاربة المتقاربة بين العلامات التجارية بقراءتها للإشارات نفسها المتاحة أمام كامل القطاع.
فمنذ عام 2024، توقعت مؤسسة WGSN، وفق ما نقلته BBC، أن يكون «الفوشيا الكهربائي» من بين الألوان البارزة في صيف 2026.
الرهان التجاري كبير، حتى وإن كان قياسه معقدًا. فحجم السوق يختلف بشدة بحسب التعريفات المعتمدة: إذ يتراوح بين نحو 20 و25 مليار دولار، ويقترب من 29 مليار دولار في عام 2025 وفقًا للمنهجيات المختلفة، بينما يضيق هذا النطاق بوضوح عند حصره في الأحذية التقنية عالية الجودة فقط.
و تكشف هذه الفوارق أمرًا واحدًا: الدراسات لا تقيس جميعها المنتج نفسه. وعلى مستوى المنافسة، تهيمن نايكي وأديداس على السوق العالمية أمام بوما، لكن لا توجد بيانات عامة ومنسقة تتيح تحديد حصصها بدقة في سوق أحذية كرة القدم وحدها.
و تتم عملية التحويل التجاري على كامل سلّم الأسعار. فإذا كانت النسخ المتطورة تقترب من 260 دولارًا، فإن العلامات التجارية تطرح سريعًا إصدارات أقل تكلفة، إلى جانب نماذج للصالات والعشب الاصطناعي من المجموعة نفسها.
بمعنى آخر: يمكن للشاب الذي رأى نجمه المفضل يسجل هدفًا بحذاء فوشيا أن يشتري «الحذاء نفسه» بالسعر المناسب له.
لم يعد التأثير التجاري مجرد فرضية. فقد باعت أديداس بالفعل منتجات مرتبطة بمونديال 2026 بقيمة تقارب 250 مليون يورو، أي نحو 292 مليون دولار، وفق صحيفة Wall Street Journal.
و سُجلت هذه الطلبات خلال الربع الأول من عام 2026، مع توقع حجم مماثل في الربع الثاني، ما عزز قطاع الأداء الرياضي الذي سجل نموًا بنسبة 29% بأسعار الصرف الثابتة.
بل إن المجموعة سبقت غيرها لوجستيًا، إذ سرعت أديداس عمليات إيصال المخزون إلى مستودعاتها «قبل أشهر قليلة من العلامات الأخرى»، بحسب رئيسها بيورن غولدن، لتجنب أي نقص في الإمدادات مع اقتراب البطولة.
للانتشار الواسع للوردي في عام 2026 وظيفة أخرى مرتبطة بالتجديد.
تاريخيًا، كانت أحذية كرة القدم سوداء فقط، إلى أن بدأت مختلف الألوان، منذ نحو خمسة وعشرين عامًا، تغزو الملاعب. ومنذ ذلك الحين، انتقل القطاع إلى إيقاع سريع للغاية: فقد تحولت كبرى العلامات من إطلاقات موسمية إلى طرح شبه أسبوعي لإصدارات محدودة وألوان خاصة، بهدف الحفاظ على تفاعل الجمهور وخلق تأثير المجموعات القابلة للاقتناء.
و تبقى الإشارة مهمة: الطراز السابق لا يصبح قديمًا من الناحية التقنية، إذ يظل صالحًا تمامًا للعب. لكنه يصبح متقادمًا بصريًا.
و هذا التقادم الرمزي تحديدًا هو ما تسعى الإطلاقات المتتالية إلى تسريعه، فيما يشكل ضوء المونديال الكاشف المحرك المثالي لهذه العملية.
خلف هذا التوحّد البصري تدور معركة شرسة. فأديداس، الشريك الرسمي للفيفا ومزود كرة البطولة، تجهز 14 منتخبًا؛ فيما تجهز نايكي عددًا مهمًا من المنتخبات أيضًا، إلى جانب بوما.
و تعمل البطولة كمسرّع إعلاني عالمي: فوفق تقدير لمؤسسة WARC نقلته صحيفة Wall Street Journal، من المتوقع أن يولد المونديال 10.5 مليارات دولار من الإنفاق الإعلاني العالمي الإضافي في الربع الثاني من عام 2026، أي بزيادة تقارب 1.1% مقارنة بالسنوات التي لا تشهد تنظيم البطولة.
و لا يمثل وردي الأحذية سوى مظهر مرئي من هذه المعركة الأوسع بكثير على جذب الانتباه، في ساحة تتمتع بجمهور هائل: فقد بلغ عدد مشاهدي نهائي 2022 نحو 1.42 مليار متفرج، فيما تفاعل حوالي خمسة مليارات شخص مع البطولة عبر التلفزيون والبث الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي.
لا يوجد ما يشير إلى تنسيق بين العلامات التجارية؛ فكل شركة راهنت على اللون من جانبها، ويعود هذا التقارب بقدر ما إلى الحسابات التسويقية بقدر ما قد يعود إلى المصادفة. غير أن لهذا الأمر وجهًا آخر.
فقد تسبب هذا التوحّد في تراجع تميز العلامات على أرض الملعب، إذ لاحظ كثيرون هذه المصادفة اللافتة في الألوان شبه المتطابقة.
و يختار بعض اللاعبين الذين يملكون نماذج خاصة بهم الابتعاد عن هذا المسار عمدًا. فليونيل ميسي، على سبيل المثال، يمتلك أحذية مخصصة بألوان الأرجنتين.
و في بيئة بصرية موحدة، يصبح عدم ارتداء اللون الوردي بدوره طريقة لجذب الانتباه.
سينتقل النجاح التلفزيوني للون الوردي سريعًا إلى المتاجر وصفحات البيع عبر الإنترنت والسوق الموازية في تونس. لكن حذاءين يبدوان متشابهين تقريبًا على الشاشة قد ينتميان إلى فئتين مختلفتين تمامًا.
فالنسخ «Elite» التي يرتديها المحترفون قد تتجاوز 250 دولارًا، بينما تستعيد الإصدارات Pro أو Academy أو Club اللون نفسه، لكن بمواد وتقنيات أقل تكلفة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون اللون هو المعيار الأول بالنسبة إلى اللاعب التونسي الشاب، بل نوعية أرضية اللعب. فالنعل المصمم للعشب الطبيعي الصلب لا يناسب دائمًا الملاعب الاصطناعية شديدة الصلابة أو المهترئة. وقد يؤدي سوء الاختيار إلى تسريع تلف الحذاء، وتقليل الراحة، وزيادة بعض الضغوط على المفاصل.
يبيع المونديال صورة واحدة؛ أما التجارة فتقدم هذه الصورة نفسها على مستويات عدة من الجودة. وهناك تحديدًا تتحقق هامشية الربح: إتاحة الفرصة للجميع لشراء «حذاء النجم» من الناحية البصرية، من دون بيعهم المنتج نفسه تمامًا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية