آخر الأخبار

تونس : السيولة البنكية بين منطق التحوط ومقتضيات التنمية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يفرض الواقع الاقتصادي التونسي اليوم إعادة التفكير في كيفية تعبئة الموارد المالية المحلية لتصبح رافعة للنمو والاستثمار بدل بقائها سيولة راكدة داخل الجهاز البنكي. وفي هذا السياق، تبرز دعوة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى تثمين السيولة المتوفرة لدى البنوك الخاصة وتوجيهها نحو تمويل المؤسسات والاستثمار المنتج باعتبارها مقاربة اقتصادية تستجيب لمتطلبات المرحلة، خاصة في ظل الحاجة إلى تسريع نسق النمو وتحسين القدرة التشغيلية للاقتصاد الوطني.

ويمثل القطاع البنكي الحلقة المركزية في عملية الوساطة المالية، إذ يقوم بتحويل المدخرات إلى قروض واستثمارات تخلق الثروة والقيمة المضافة ومواطن الشغل. وكلما ارتفعت قدرة البنوك على توظيف السيولة في المشاريع المنتجة، ارتفع الأثر المضاعف للاستثمار على الاقتصاد، وهو ما تؤكده النظريات الاقتصادية الحديثة وتجارب الاقتصادات الصاعدة التي اعتمدت على التمويل البنكي باعتباره محركا رئيسيا للتحول الاقتصادي.

فجوة بين السيولة والإقراض

تبرز الأرقام الواردة في تقرير اصدره المعهد العربي لرؤساء المؤسسات تحت عنوان “تثمين سيولة البنوك الخاصة لتمويل الاقتصاد” وجود مفارقة تستحق التوقف عندها فعلى الرغم من أن نسبة القروض إلى الودائع في القطاع البنكي بلغت حوالي 96.2 بالمائة في أوت 2025، فإن هذا المتوسط يخفي تفاوتا واضحا بين البنوك العمومية والبنوك الخاصة.

وتظهر البيانات أن نسبة تحويل الودائع إلى قروض لدى البنوك العمومية بلغت 97.3 بالمائة مع نهاية جوان 2025، في حين لم تتجاوز 67.4 بالمائة لدى أكبر ثلاثة بنوك خاصة، وهو ما يعني وجود هامش مهم من السيولة غير الموظفة في تمويل الاقتصاد الحقيقي.

ويكتسب هذا المؤشر أهمية أكبر إذا ما علمنا أن معيار تغطية السيولة لدى هذه البنوك بلغ 138.3 بالمائة مع نهاية سنة 2025، وهو مستوى يفوق بكثير الحد الأدنى الدولي المحدد بـ100 بالمائة وفق متطلبات لجنة بازل، بما يعكس توفر احتياطيات مالية يمكن استغلال جزء منها دون المساس بمتطلبات السلامة والاستقرار المالي.

تطور بطيء لتمويل الاقتصاد المنتج

يوضح التقرير أن القروض الموجهة للمؤسسات الصناعية لم تحقق سوى نمو محدود بلغ 0.1 بالمائة سنة 2023 قبل أن تتراجع بنسبة 0.3 بالمائة سنة 2024، وهو تطور يعكس ضعف ديناميكية التمويل في قطاع يمثل العمود الفقري للتصنيع والتصدير وخلق القيمة المضافة.

كما لم تتجاوز نسب نمو القروض في قطاع الخدمات 2.7 بالمائة سنة 2023 و2.6 بالمائة سنة 2024، وهي مستويات تبقى دون الطموحات إذا ما قورنت بحاجيات الاقتصاد إلى استثمارات جديدة في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والخدمات ذات المحتوى المعرفي المرتفع.

ويؤدي هذا الوضع إلى تقليص قدرة المؤسسات، وخاصة الصغرى والمتوسطة التي تمثل أكثر من 90 بالمائة من النسيج الاقتصادي التونسي، على تنفيذ برامج التوسع والتجديد والابتكار، علما أن هذه المؤسسات توفر النسبة الأكبر من فرص العمل في البلاد.

الحذر الائتماني جزء من المعادلة

يفسر التقرير محدودية التمويل بثلاثة عوامل رئيسية، يتمثل أولها في تنامي تمويل الدولة، خاصة بعد تفعيل القانون عدد 10 لسنة 2024 الذي أتاح للبنك المركزي التونسي منح تسهيلات مالية للخزينة العامة، حيث بلغت قيمة هذه التسهيلات 11 مليار دينار ضمن قانون المالية لسنة 2026.

ويتمثل العامل الثاني في اعتماد البنوك الخاصة سياسة ائتمانية أكثر تحفظا نتيجة ارتفاع المخاطر الاقتصادية ومستويات الديون المتعثرة، الأمر الذي دفعها إلى التشدد في الضمانات المطلوبة والحد من تمويل عدد من المشاريع، خصوصا المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

أما العامل الثالث فيرتبط بارتفاع هوامش الوساطة البنكية التي تناهز 4 بالمائة أو أكثر، في الوقت الذي تقارب فيه أسعار الفائدة على قروض المؤسسات الصغرى والمتوسطة 11 بالمائة مقابل معدل فائدة في السوق النقدية يناهز 7 بالمائة، وهو فارق يرفع تكلفة التمويل ويؤثر في جدوى الاستثمار الخاص.

هذا ويشير تحسن المؤشرات الاقتصادية الأخيرة إلى وجود أرضية يمكن البناء عليها لتوسيع التمويل المنتج اذ قد ارتفع معدل النمو الاقتصادي إلى 2.5 بالمائة سنة 2025 مقارنة بـ1.4 بالمائة سنة 2024، كما تراجع التضخم من 9.3 بالمائة سنة 2023 إلى 5.3 بالمائة سنة 2025، وهو ما يعكس تحسنا نسبيا في البيئة الاقتصادية والمالية.

ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن كل زيادة في التمويل الموجه إلى الاستثمار الإنتاجي تساهم في رفع الطاقة الإنتاجية وتحسين الإنتاجية وتعزيز الصادرات وتقليص الضغوط على الميزان التجاري، فضلا عن دعم الإيرادات الجبائية للدولة وتحفيز التشغيل.

وتؤكد التجارب الدولية أن الاقتصادات التي نجحت في تحقيق نقلات نوعية في التنمية اعتمدت على منظومات مصرفية نشطة قادرة على تحويل المدخرات إلى استثمارات ذات مردودية اقتصادية واجتماعية، مع المحافظة في الوقت نفسه على قواعد الحوكمة وإدارة المخاطر.

اهمية تطوير إدارة المخاطر

يفرض تحقيق هذا الهدف اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على تطوير أدوات تقييم المشاريع الاقتصادية وتعزيز آليات إدارة المخاطر باستخدام البيانات والتحليل المالي والرقمنة والذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتمييز المشاريع القابلة للحياة عن المشاريع مرتفعة المخاطر بدل الاكتفاء بسياسات تحفظية عامة.

كما يكتسب تدخل البنك المركزي عبر إجراءات تحفيزية أهمية خاصة لدفع البنوك الخاصة إلى توسيع تمويل القطاعات الواعدة، مثل الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة والصناعات الموجهة للتصدير، مع تطوير آليات الضمان وتقاسم المخاطر.

ويؤدي هذا التوجه إلى تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين المحافظة على الاستقرار المالي من جهة، وتعزيز الاستثمار المنتج من جهة أخرى، بما يجعل السيولة المتوفرة داخل البنوك الخاصة رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، ويحول القطاع البنكي من مجرد حافظ للسيولة إلى شريك استراتيجي في بناء اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على خلق الثروة وفرص العمل.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا