آخر الأخبار

غرة محرّم : ما الذي تحييه رأس السنة الهجرية فعلا ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في كل عام، يطوي التقويم الهجري صفحة مع حلول شهر محرّم. وفي سنة 2026، يثير الانتقال إلى عام 1448 هجري سؤالا بسيطا، لكنه غالبا ما يُساء فهمه: ما الذي يُحييه المسلمون تحديدا في رأس السنة الهجرية؟

لا يتعلق الأمر بذكرى ميلاد، ولا بانتصار عسكري، ولا باليوم المحدد لوقوع حدث خارق، بل يرتبط برحيل تمثل في الهجرة النبوية، أي انتقال النبي محمد وصحابته من مكة إلى المدينة سنة 622 ميلادية.

الهجرة: رحيل أصبح نقطة انطلاق

يرتبط عام 1448 بالتقويم الذي اتخذ من الهجرة النبوية نقطة بداية له.

و لم تتزامن هذه الهجرة زمنيا مع اليوم الأول من شهر محرّم. ومع ذلك، اعتُمدت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب مرجعا لبداية التأريخ الإسلامي.

و يحمل هذا الاختيار دلالات عميقة.

فالتقويم لا يبدأ بمولد النبي، ولا بنزول الوحي، ولا بفتح عسكري، وإنما يبدأ بالانتقال إلى المدينة، حين شرعت الجماعة المسلمة، التي تعرضت للاضطهاد في مكة، في تنظيم نفسها سياسيا واجتماعيا داخل مدينة جديدة.

و من ثم، لا تمثل الهجرة مجرد فرار، بقدر ما تجسد تحولا في الوضع: مغادرة واقع أصبح مستحيلا من أجل بناء جماعة جديدة في مكان آخر، تقوم على قواعد مشتركة ومسؤولية جماعية.

لماذا يبدأ التقويم بشهر محرّم؟

لا يعني اعتماد الهجرة نقطة بداية للتقويم أن الانتقال إلى المدينة وقع في غرة محرّم.

فالهجرة تؤرَّخ تقليديا بعد ذلك بعدة أسابيع، خلال شهر ربيع الأول.

و اختير محرّم ليكون أول أشهر السنة لأنه كان يمثل، في الأعراف العربية السائدة آنذاك، بداية دورة جديدة بعد موسم الحج.

و هكذا يجمع التقويم الإسلامي بين عنصرين مختلفين:

الهجرة باعتبارها الحدث المؤسس؛

و محرّم باعتباره أول أشهر السنة.

و يتيح هذا التمييز تجنب خلط شائع، إذ لا تحيي رأس السنة الهجرية الذكرى الدقيقة لوصول النبي إلى المدينة.

تقويم قمري يتقدم بنحو أحد عشر يوما

يعتمد التقويم الهجري على دورة القمر.

و يتكون من اثني عشر شهرا، يضم كل منها 29 أو 30 يوما، ويبلغ عدد أيام السنة عادة 354 أو 355 يوما.

أما التقويم الميلادي، القائم على الدورة الشمسية، فيتكون من 365 يوما، أو 366 يوما في السنوات الكبيسة.

و يفسر الفارق، الذي يبلغ نحو أحد عشر يوما، سبب تنقل مواعيد شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوي ورأس السنة الهجرية كل عام داخل التقويم المدني.

فالمناسبة الدينية التي تحل في منتصف جوان سنة 2026 ستأتي، في العام التالي، قبل ذلك بنحو أحد عشر يوما.

و خلال دورة تمتد على قرابة 33 سنة ميلادية، تمر أشهر التقويم الإسلامي بجميع فصول السنة.

لذلك، قد يحل رمضان صيفا خلال فترة معينة، ثم ينتقل تدريجيا إلى الربيع والشتاء والخريف.

رؤية الهلال أم الحساب الفلكي؟

لا تعتمد جميع الدول الإسلامية الطريقة نفسها لتحديد بدايات الأشهر.

و تختلف الأساليب من بلد إلى آخر. ففي تونس، كما في الجزائر والمغرب، يعتمد الإعلان الرسمي عادة على رصد الهلال، إلى جانب الاستئناس بالمعطيات الفلكية المتاحة. ويحافظ المغرب، خصوصا، على منظومة وطنية للرصد البصري تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

و في المملكة العربية السعودية، تتلقى المحكمة العليا شهادات رؤية الهلال لتحديد مواعيد المناسبات الدينية، بينما يُستخدم تقويم أم القرى أساسا مرجعا إداريا.

أما تركيا، فتعتمد بدرجة أكبر على الحسابات الفلكية، إذ تحدد رئاسة الشؤون الدينية، المعروفة بـ«ديانت»، إمكانية رؤية الهلال بالحساب، وتنشر المواعيد الدينية مسبقا.

و في فرنسا، حيث تقيم جالية تونسية كبيرة، لا توجد سلطة دينية موحدة. وقد تختلف الإعلانات من هيئة إلى أخرى. ففي رمضان 2026، اعتمد كل من مسجد باريس الكبير والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية تاريخا مختلفا بفارق يوم واحد، استنادا إلى قراءات متباينة للمعطيات الفلكية وشروط رؤية الهلال. كما تتبع بعض المساجد والاتحادات الدينية إعلان دولة مرجعية.

و قد تؤدي هذه الاختلافات إلى تفاوت بيوم واحد بين عدة دول، حتى عندما تقع في المنطقة الجغرافية نفسها.

و في تونس، يعلن مفتي الجمهورية بداية شهر محرّم رسميا، استنادا إلى عمليات الرصد والمعطيات الفلكية المتاحة.

و هذا الإعلان هو الذي يحدد رسميا موعد رأس السنة الهجرية في البلاد.

هل هي «عيد»؟ جدل قديم

لا تتمتع رأس السنة الهجرية بالمكانة الدينية نفسها التي يتمتع بها عيد الفطر وعيد الأضحى.

و يرى عدد من العلماء أنه من المشروع التذكير بالهجرة وتبادل التهاني وشكر الله واستغلال المناسبة للتأمل في الزمن المنقضي.

في المقابل، ترفض تيارات أخرى اعتبارها مناسبة احتفالية خاصة، وترى أن العيدين الدينيين اللذين ورد النص عليهما صراحة هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وأن تخصيص طقوس محددة لغرة محرّم قد يندرج ضمن «البدعة» الدينية.

و لا يتعلق الخلاف، بالتالي، بوجود التقويم الهجري، الذي يقر به جميع المسلمين، بل بطريقة إحياء الانتقال إلى سنة جديدة: هل هو مجرد معلم تاريخي، أم مناسبة للدراسة والتأمل، أم عطلة مدنية، أم اجتماع عائلي، أم احتفال شعبي فعلي؟

و تختلف الممارسات باختلاف البلدان والمدارس الدينية والعائلات والتقاليد المحلية.

المسلمون لا يحيون المناسبة بالطريقة نفسها

تُعد غرة محرّم عطلة رسمية في عدد من الدول، من بينها تونس والجزائر والمغرب، حيث يُمنح يوم عطلة بهذه المناسبة.

و تذهب الجزائر إلى أبعد من ذلك، إذ تُعد غرة محرّم يوم عطلة مدفوعة الأجر لجميع العاملين في القطاعين العام والخاص، كما تعتمد البلاد يوم عطلة ثانيا بمناسبة عاشوراء، في اليوم العاشر من الشهر.

و تندرج رأس السنة الهجرية أيضا ضمن العطل الرسمية في الإمارات العربية المتحدة وماليزيا وإندونيسيا.

و في تونس وعدد من بلدان المغرب العربي، قد تتميز المناسبة بوجبة عائلية وتبادل التهاني وإحياء بعض التقاليد الغذائية المحلية. كما تبقى في المغرب والجزائر معلما رسميا في التقويم، وإن اختلفت الممارسات بين عائلة وأخرى.

و في ماليزيا، حيث تُعرف المناسبة باسم «أوال محرّم» أو «مع الهجرة»، يمكن تنظيم محاضرات واحتفالات دينية وفعاليات مؤسساتية مخصصة للهجرة النبوية.

و في إندونيسيا، تُعد غرة محرّم عطلة وطنية، وقد تشهد تجمعات وتلاوات وأنشطة مجتمعية أو عادات محلية تختلف حسب المناطق.

أما في الإمارات العربية المتحدة، فالمناسبة عطلة رسمية، لكن مظاهر إحيائها تبقى عموما هادئة، وتشمل الخطب ورسائل التهنئة وقضاء الوقت مع العائلة والتذكير بمعاني الهجرة.

و تقدم المملكة العربية السعودية نموذجا مختلفا. فالبلاد تعتمد التقويم الهجري رسميا وتولي شهر محرّم أهمية كبيرة، إلا أن اليوم الأول من السنة لا يمثل فيها عيدا وطنيا مماثلا لعيد الفطر أو عيد الأضحى. ويُنظر إلى المناسبة أساسا بوصفها معلما في التقويم الديني.

و في الدول الأوروبية، مثل فرنسا، حيث تعيش جالية تونسية كبيرة، لا تُعد غرة محرّم عطلة وطنية. ومع ذلك، قد تتبادل العائلات التهاني، أو تنظم وجبة مسائية، أو تروي للأطفال قصة الهجرة، أو تشارك في محاضرة داخل مسجد أو جمعية.

و بذلك، تحيي بعض العائلات المناسبة بصورة واضحة، في حين تعتبرها عائلات أخرى مجرد بداية لسنة دينية جديدة ولا تنظم أي طقوس خاصة.

و لا تمثل رأس السنة الهجرية مناسبة يحتفل بها جميع المسلمين بالطريقة نفسها، كما أنها ليست حدثا متجاهلا تماما. فقد تكون، بحسب البلدان والتوجهات، يوما رسميا أو مناسبة عائلية أو فرصة تربوية أو مجرد معلم في التقويم.

اختلاف بيوم واحد يتجسد على أرض الواقع

يضاف إلى هذا التنوع احتمال اختلاف التواريخ نفسها. ففي سنة 2026، يقدم الواقع مثالا واضحا، إذ حدد مسجد باريس الكبير غرة محرّم 1448 يوم الثلاثاء 16 جوان، وعاشوراء يوم الخميس 25 جوان، في حين اعتمدت الجزائر يوم الأربعاء 17 جوان موعدا لغرة محرّم.

و هكذا، قد يبدأ فضاءان تجمع بينهما روابط تاريخية وهجرية وثيقة السنة الهجرية الجديدة بفارق يوم واحد، تبعا لاعتماد تحديد بداية الشهر على رؤية الهلال أو الحساب الفلكي أو الجمع بين الطريقتين.

غرة محرّم وعاشوراء: مناسبتان لا ينبغي الخلط بينهما

تفتتح غرة محرّم السنة الهجرية الجديدة.

أما عاشوراء فتحل في العاشر من محرّم، وتحمل دلالة دينية مختلفة.

و في التقليد السني، ترتبط عاشوراء خصوصا بصيام مستحب وبعدد من الروايات الدينية المتوارثة في التراث الإسلامي.

أما في المذهب الشيعي، فتمثل عاشوراء أساسا مناسبة كبرى للحزن وإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين، حفيد النبي محمد، الذي قُتل في معركة كربلاء سنة 680 ميلادية.

و تتسم المراسم الشيعية بالخشوع والمواكب واستحضار ذكرى كربلاء.

فإذا حُددت غرة محرّم 1448 يوم 16 جوان 2026، فستوافق عاشوراء يوم 25 جوان. أما إذا حُددت غرة الشهر يوم 17 جوان، فستحل عاشوراء يوم 26 جوان. ولذلك، يتعين تأكيد التاريخ المدني بعد الإعلان الرسمي عن بداية الشهر.

مناسبة للمراجعة أكثر منها ليلة احتفال

لا تشبه رأس السنة الهجرية، في معظم البلدان، احتفالات ليلة رأس السنة الميلادية.

فهي لا ترتبط عادة بالألعاب النارية أو العد التنازلي أو احتفال ليلي شامل.

و بالنسبة إلى كثير من العائلات والمجتمعات، تمثل المناسبة لحظة هادئة للذاكرة ونقل المعرفة والتأمل.

و يمكن فهم الهجرة بوصفها دعوة إلى مراجعة الاتجاه الشخصي: ما الذي ينبغي تركه أو إصلاحه أو إعادة بنائه؟

و لا تمثل هذه القراءة الرمزية واجبا دينيا أو طقسا مفروضا، بل هي امتداد للدلالة التاريخية لحدث اتسم بالانتقال والاختيار وبناء مستقبل جديد.

ما الذي تحييه غرة محرّم فعلا؟

لا تحيي غرة محرّم، إذن، اليوم المحدد لانطلاق النبي نحو المدينة.

إنها تفتتح سنة اتخذت من الهجرة نقطة مرجعية، أي الانتقال من وضع الاضطهاد إلى تنظيم جماعة جديدة.

و بحسب البلدان والتوجهات الدينية، قد تصبح هذه المناسبة عطلة رسمية أو لحظة للدراسة أو اجتماعا عائليا أو مجرد معلم في التقويم.

لكن معناها المشترك يبقى واحدا: التذكير بأن التقويم الإسلامي لا يبدأ بميلاد أو انتصار، بل بقرار للقطيعة و إعادة البناء.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا