يأتي انعقاد الدورة الثانية والعشرين لمنتدى تونس للاستثمار يومي 25 و26 جوان 2026 في لحظة مفصلية من المسار الاقتصادي الوطني، حيث تتجه الأنظار إلى الاستثمار باعتباره المحرك الرئيسي للنمو خلال السنوات المقبلة والأداة الأكثر فاعلية لتعبئة الموارد ورفع الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي.
ويكتسب المنتدى أهمية خاصة لأنه يتزامن مع انطلاق تنفيذ المخطط التنموي الوطني 2026-2030 الذي يراهن على إعادة تنشيط الاستثمار الخاص وتعزيز مساهمة رأس المال الأجنبي في تمويل المشاريع المنتجة وخلق الثروة، فبعد سنوات من الضغوط الاقتصادية وتراجع نسق الاستثمار مقارنة بمستويات ما قبل 2011، أصبحت تونس مطالبة بتحقيق قفزة نوعية في حجم الاستثمارات لإنجاح أهداف النمو والتشغيل والتنمية الجهوية.
وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن نسبة الاستثمار الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي ما تزال تدور حول 15 إلى 16 بالمائة، وهي نسبة تبقى دون المستويات الضرورية لتحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة. وتؤكد العديد من الدراسات الدولية أن الاقتصادات الصاعدة التي تحقق نموا يفوق 5 بالمائة سنويا تستند عادة إلى نسب استثمار تتجاوز 25 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يبرز أهمية الجهود المبذولة حاليا لاستعادة الديناميكية الاستثمارية.
ثقة متنامية في الاقتصاد الوطني
تسجل المؤشرات الأخيرة بوادر انتعاش ملحوظة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حيث استقطبت تونس خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 استثمارات أجنبية بقيمة تجاوزت 838 مليون دينار، مقابل نحو 760 مليون دينار خلال الفترة نفسها من السنة السابقة، وفق المعطيات الأولية لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي.
وتراهن السلطات الاقتصادية على بلوغ نحو 4 مليارات دينار من الاستثمارات الأجنبية خلال كامل سنة 2026، مقابل مستويات تراوحت خلال السنوات الأخيرة بين 2.5 و3.5 مليارات دينار سنويا.
كما تبرز أهمية الاستثمار الأجنبي في مساهمته المباشرة في خلق فرص العمل ودعم الصادرات باعتبار تجاوز عدد المؤسسات الأجنبية المنتصبة في تونس 3900 مؤسسة، وتوفيرها لأكثر من 430 ألف موطن شغل مباشر، فيما تساهم بأكثر من 80 بالمائة من إجمالي الصادرات الصناعية للبلاد. وتؤكد هذه الأرقام أن الاستثمار الخارجي لم يعد مجرد مصدر للتمويل، بل أصبح ركيزة أساسية للاندماج في الاقتصاد العالمي ونقل التكنولوجيا والمعرفة.
تعزيز التموقع داخل سلاسل القيمة العالمية
يفرض التحول الجاري في الاقتصاد العالمي فرصا جديدة أمام تونس للاستفادة من ظاهرة إعادة توطين الأنشطة الصناعية بالقرب من الأسواق الأوروبية، والتي دفعت العديد من الشركات العالمية إلى البحث عن وجهات إنتاجية تجمع بين الكفاءة والكلفة التنافسية والقرب الجغرافي.
ويمنح الموقع الاستراتيجي لتونس أفضلية مهمة في هذا المجال، خاصة أنها تبعد أقل من 24 ساعة بحرا عن أبرز الموانئ الأوروبية، وترتبط بأكثر من 50 اتفاقية تعاون اقتصادي وتجاري مع شركائها الدوليين.
وتبرز قطاعات مكونات السيارات والطيران والصناعات الكهربائية والإلكترونية ضمن أبرز القطاعات المندمجة في سلاسل القيمة العالمية. وتنتج تونس اليوم آلاف المكونات الصناعية الموجهة لكبرى الشركات العالمية، كما تعد من أبرز المصدرين في منطقة المتوسط للأسلاك الكهربائية ومكونات السيارات.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل توسع السوق الإفريقية وارتفاع جاذبيتها الاستثمارية ذلك انه مع دخول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ التدريجي، أصبحت القارة تمثل واحدة من أكبر الأسواق الناشئة في العالم بأكثر من 1.4 مليار مستهلك وناتج اقتصادي يتجاوز 3.4 تريليون دولار.
يعكس تخصيص جلسة كاملة بعنوان “تونس: بوابة نحو إفريقيا” إدراكًا متزايدًا للتحولات الجيو-اقتصادية التي تشهدها القارة فخلال العقد الأخير تضاعفت أهمية إفريقيا في استراتيجيات المؤسسات الدولية والشركات متعددة الجنسيات باعتبارها فضاءً استثماريا واعدا يتمتع بأعلى معدلات النمو الديمغرافي عالميا.
وتسعى تونس إلى تعزيز موقعها ضمن هذه الديناميكية من خلال تطوير خدماتها اللوجستية والمالية والتجارية وتوسيع حضور مؤسساتها الاقتصادية داخل الأسواق الإفريقية. كما يكتسي انخراطها في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أهمية استراتيجية لتسهيل نفاذ المؤسسات التونسية إلى أسواق جديدة وتنويع الوجهات التصديرية.
مناخ الأعمال ومنصة المستثمر
يمثل الإعلان المرتقب عن إطلاق “منصة المستثمر” إحدى أبرز المحطات المنتظرة خلال المنتدى. وتندرج هذه المنصة ضمن مسار التحول الرقمي للإدارة الاقتصادية وتبسيط الإجراءات المتعلقة بإحداث المشاريع والحصول على التراخيص ومتابعة الملفات الاستثمارية.
وتؤكد التجارب الدولية أن رقمنة الخدمات الإدارية وتطوير النوافذ الموحدة من بين أكثر الإصلاحات تأثيرا في تحسين ترتيب الدول في مؤشرات مناخ الأعمال وخفض كلفة المعاملات الاقتصادية. كما من شأن هذه المنصة أن تعزز الشفافية والنجاعة الإدارية وتقلص آجال إنجاز المشاريع، بما يساهم في رفع جاذبية تونس لدى المستثمرين المحليين والأجانب.
يتجاوز منتدى تونس للاستثمار 2026 بعده الترويجي التقليدي ليعكس رؤية اقتصادية أوسع تقوم على جعل الاستثمار أداة للتحول الهيكلي للاقتصاد. ويبرز ذلك من خلال التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وعلى المشاريع الكبرى والبنية التحتية والاقتصاد الأخضر وريادة الأعمال والابتكار.
ويؤشر حضور كبار المستثمرين والمؤسسات المالية والتنموية الإفريقية والدولية، إلى جانب الإعلان عن مشاريع استراتيجية جديدة، إلى وجود إرادة متزايدة لتموقع تونس كوجهة استثمارية مستدامة وقادرة على لعب دور محوري بين أوروبا وإفريقيا.
وتؤكد هذه المؤشرات أن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بحجم الأموال المستقطبة فحسب، لكن بقدرة البلاد على توجيه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة والمصدرة والمبتكرة، بما يسمح برفع النمو وخلق مواطن الشغل وتحسين القدرة التنافسية وتعزيز مكانة تونس داخل الاقتصادين الإقليمي والعالمي.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية