آخر الأخبار

تونس : لماذا لا يكون التضخم دائماً عدواً للاقتصاد ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يفرض التضخم حضوره اليوم في مختلف مفاصل الاقتصاد التونسي، من سلة استهلاك الأسر إلى ميزانيات المؤسسات وصولاً إلى قرارات السياسة النقدية والاستثمارية، فما يلاحظه المواطن يومياً عند اقتناء المواد الغذائية أو الخدمات ليس سوى الوجه الظاهر لظاهرة اقتصادية معقدة تؤثر في الإنتاج والاستهلاك والادخار والتشغيل.

وفي تونس، كما في أغلب الاقتصادات الناشئة، يحمل التضخم طبيعة مزدوجة، إذ يمكن أن يشكل حافزاً للنشاط الاقتصادي عندما يبقى في مستويات معتدلة، لكنه يتحول إلى عامل يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إذا استمر لفترات طويلة أو تجاوز الحدود المقبولة .

وتعكس الأسواق المحلية هذا الواقع بشكل واضح، حيث أصبحت مسألة الأسعار محوراً دائماً للنقاش بين الأسر والتجار وأصحاب المؤسسات. كما يجد الشباب الباحثون عن عمل أنفسهم أمام سوق تتأثر فيه الأجور الحقيقية بارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما يجعل التضخم قضية تمس جميع الفاعلين الاقتصاديين وليس مجرد مؤشر تنشره المؤسسات الإحصائية .

التضخم وديناميكية النشاط الاقتصادي

يؤكد الفكر الاقتصادي الحديث أن التضخم ليس بالضرورة ظاهرة سلبية في جميع الحالات، بل إن الاقتصادات المتقدمة نفسها تستهدف عادة معدلات تضخم تقارب 2% سنوياً باعتبارها مؤشراً على وجود طلب اقتصادي نشيط ذلك انه عندما ترتفع الأسعار بشكل محدود ومتوقع، تميل الأسر إلى تقديم قرارات الاستهلاك بدلاً من تأجيلها، بينما تجد المؤسسات حوافز إضافية للتوسع والاستثمار وزيادة الإنتاج، وهو ما ينعكس إيجابياً على التشغيل والنمو .

كما تبرز الدراسات الاقتصادية أن التضخم المعتدل يساعد على تحريك الدورة الاقتصادية عبر تحسين توقعات الأرباح وتشجيع الاقتراض والاستثمار، خاصة إذا كان مصحوباً بسياسات نقدية ومالية متوازنة. وعلى هذا الاساس، لا تنظر البنوك المركزية إلى التضخم المنخفض جداً أو الانكماش السعري باعتبارهما وضعاً مثالياً، لأنهما قد يؤديان إلى ركود الطلب وتأجيل الاستثمارات .

تكشف التجربة الاقتصادية التونسية منذ سنة 2011 عن هذا التناقض بوضوح حيث تزامنت فترات عدم الاستقرار المؤسساتي مع اتساع عجز المالية العمومية وتراجع قيمة الدينار وارتفاع تكاليف الواردات، لتزداد الضغوط التضخمية تدريجياً. ووصل معدل التضخم في بعض الفترات خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات قاربت 10% قبل أن يبدأ مساراً تنازلياً بفعل تشديد السياسة النقدية وتحسن نسبي في بعض سلاسل التوريد، ليستقر خلال الأشهر الأخيرة عند مستويات أدنى مقارنة بذروته التاريخية .

وفي المقابل، ظل النمو الاقتصادي محدوداً، بحكم عدم تمكن البلاد من استعادة نسق النمو الذي سبق سنة 2011، في حين بقي الاستثمار الخاص دون التطلعات نتيجة ارتفاع كلفة التمويل وتزايد حالة عدم اليقين. كما ساهمت أسعار الفائدة المرتفعة، التي اعتمدها البنك المركزي للحد من التضخم، في زيادة كلفة الاقتراض بالنسبة للمؤسسات والأسر .

التضخم المرتفع والقدرة الشرائية والإنتاجية

يؤدي استمرار التضخم المرتفع إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً بالنسبة للفئات ذات الدخل الثابت، حيث تصبح الزيادات في الأجور غير كافية لتعويض ارتفاع الأسعار. كما تتراجع القدرة على الادخار، في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف الإنتاج بالنسبة للمؤسسات نتيجة زيادة أسعار المواد الأولية والطاقة والنقل .

ولا يقتصر الأثر على الاستهلاك فقط، لكنه يمتد إلى الاستثمار المنتج، إذ يصبح رجال الأعمال أكثر حذراً في اتخاذ القرارات طويلة المدى بسبب صعوبة توقع التكاليف والأسعار المستقبلية. وتفقد الأسعار وظيفتها الأساسية باعتبارها إشارات اقتصادية تساعد على تخصيص الموارد بكفاءة، فتزداد مخاطر سوء الاستثمار وضعف الإنتاجية .

وتشير الأدبيات الاقتصادية كذلك إلى أن اليد العاملة يمكن أن تدعم النمو في الأجل القصير عبر زيادة النشاط الاقتصادي، إلا أن هذا الأثر يتراجع إذا لم ترافقه مكاسب في الإنتاجية والابتكار والتكنولوجيا. كما أن البيروقراطية وضعف كفاءة تخصيص الموارد يحدان من قدرة الاقتصاد على تحويل الاستثمارات إلى نمو مستدام .

تؤكد التجارب الدولية أن التحكم في التضخم لا يتحقق عبر السياسة النقدية وحدها، وإنما يتطلب تنسيقاً شاملاً بين السياسات المالية والاستثمارية والإنتاجية ولذلك تبرز أمام تونس مجموعة من الأولويات الاقتصادية تتمثل في الحفاظ على سياسة نقدية موثوقة تستهدف استقرار الأسعار، والعمل على تقليص عجز الميزانية وتحسين جودة الإنفاق العمومي، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات القيمة المضافة العالية القادرة على رفع الإنتاجية .

كما يبقى الاستثمار في رأس المال البشري والتعليم والبحث العلمي والاقتصاد الرقمي والابتكار أحد أهم الشروط لتعزيز النمو الحقيقي وتقليص الضغوط التضخمية الهيكلية. فكل زيادة في الإنتاجية تساعد على امتصاص جزء من ارتفاع التكاليف وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني .

وعموما، لا يمثل التضخم عدواً مطلقاً ولا أداة إيجابية في جميع الظروف، بقدر ما يعد سلاحاً اقتصادياً ذا حدين إذ يمكن أن يمنح الاقتصاد دفعة مؤقتة عندما يبقى تحت السيطرة، لكنه يتحول إلى قيد ثقيل على التنمية والاستثمار والقدرة الشرائية إذا انفلت من الضبط. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي أمام تونس لا يتمثل في القضاء على التضخم بالكامل، وإنما في الحفاظ عليه ضمن مستويات معتدلة ومتوازنة، بالتوازي مع إصلاحات هيكلية ترفع الإنتاجية وتحسن كفاءة الاستثمار وتؤسس لنمو اقتصادي أكثر استدامة وشمولاً .

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: الاقتصاد التونسي , التضخم , تونس
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا لبنان إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا