آخر الأخبار

هرمز يهزّ الاقتصاد الألماني : إفلاسات نمو متعثر و مخاطر على تونس

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

بدأت أزمة مضيق هرمز تلقي بثقلها على الاقتصاد الألماني، الذي يعاني أصلًا من تباطؤ استمر لسنوات، وارتفاع في تكاليف الطاقة، وموجة إفلاسات غير مسبوقة منذ أكثر من عقد.

و في تقريره الربيعي المقدم إلى حكومة المستشار فريدريش ميرتس، خفّض مجلس الخبراء الاقتصاديين الألماني توقعاته للنمو لسنة 2026 إلى 0.5% فقط، مقابل 0.9% في تقديراته السابقة. أما بالنسبة إلى سنة 2027، فلا يتوقع المجلس سوى نمو محدود في الناتج الداخلي الخام بنسبة 0.8%.

ويعزو المجلس هذا التعديل أساسًا إلى تداعيات الحرب ضد إيران، والصدمة الطاقية الناجمة عن اضطراب الإمدادات العابرة لمضيق هرمز.

و بالنسبة إلى أكبر اقتصاد في أوروبا، وهو اقتصاد صناعي بامتياز ويعتمد على طاقة متاحة بأسعار مناسبة للحفاظ على قدرته التنافسية، تأتي هذه الصدمة الجديدة في أسوأ توقيت ممكن.

انتعاش ألماني توقف قبل أن يبدأ

تخرج ألمانيا بالكاد من سنوات صعبة. فبعد عامين من الركود، لم يحقق اقتصادها في سنة 2025 سوى نمو محدود بنسبة 0.2%.

و لا تزال الصناعة تواجه مزيجًا من الصعوبات، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الطلب العالمي، والمنافسة الصينية، وتباطؤ الصادرات، ونقص اليد العاملة المؤهلة، وثقل الإجراءات الإدارية.

و من المنتظر أن تدعم الاستثمارات العمومية في البنية التحتية والدفاع النشاط الاقتصادي. غير أن هذا الدفع قد يُمتص جزئيًا بفعل ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يقلص هوامش أرباح الشركات، ويضغط على القدرة الشرائية للأسر، ويؤخر قرارات الاستثمار.

و يرى مجلس الخبراء الاقتصاديين الألماني أن التضخم قد يبلغ في المتوسط 3% سنة 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.8% في سنة 2027. وبذلك، تهدد الصدمة الطاقية النمو والسيطرة على الأسعار في الوقت نفسه.

أكثر من 24 ألف شركة مفلسة

لا تُقاس هشاشة الاقتصاد الألماني من خلال الناتج الداخلي الخام فقط، بل تظهر أيضًا داخل المحاكم.

فوفق المكتب الاتحادي الألماني للإحصاء، تم تسجيل 24,064 حالة إفلاس لشركات في سنة 2025، مقابل 21,812 حالة قبل سنة. ويمثل ذلك ارتفاعًا بنسبة 10.3%.

و يُعد هذا أعلى مستوى منذ سنة 2014، التي تم خلالها تسجيل 24,085 حالة تعثر. غير أن رقم أزمة المال العالمية لا يزال أعلى، إذ سجلت ألمانيا في سنة 2009 ما مجموعه 32,687 حالة إفلاس لشركات.

و تُعد الشركات الأكثر تعرضًا للخطر تلك التي تجمع بين هوامش ربح محدودة، وقروض أكثر كلفة، وطلب غير كاف، واستهلاك مرتفع للطاقة. وتُصنّف قطاعات البناء والتجارة والنقل والفنادق والمطاعم وعدة فروع صناعية ضمن القطاعات الأكثر هشاشة.

و بالنسبة إلى شركات الكيمياء والصلب والزجاج والورق والسيارات، قد يحدد سعر الطاقة مدى ربحية مصنع، أو موقع استثمار، أو حتى استمرار الإنتاج داخل ألمانيا.

السيناريو الأسود: نمو لا يتجاوز 0.2%

و قد يتدهور السيناريو المركزي القائم على نمو بنسبة 0.5% أكثر من ذلك.

فقد درس مجلس الخبراء الاقتصاديين الألماني فرضية عودة سعر النفط إلى 120 دولارًا للبرميل وبقائه عند هذا المستوى إلى غاية أكتوبر 2026.

و في هذه الحالة، سيتراجع نمو الاقتصاد الألماني إلى 0.2% فقط في سنة 2026، بينما سيرتفع التضخم إلى 3.5%. وسيبقى التضخم مرتفعًا في سنة 2027 أيضًا، في حدود 3.2%.

و يُظهر هذا السيناريو أن مسار الاقتصاد الألماني بات يعتمد إلى حد كبير على مدة الأزمة في الخليج. فكلما طال اضطراب تدفقات الطاقة، اتسعت انعكاسات التكاليف على الصناعة والنقل والاستهلاك والمالية العمومية.

و لم يعد مضيق هرمز مجرد ملف عسكري أو بحري، بل أصبح متغيرًا مباشرًا في معادلة النمو الأوروبي.

النموذج التصديري الألماني يبدأ في التصدع

بعيدًا عن الصدمة الفورية، يبرز الخبراء هشاشة أعمق في النموذج الاقتصادي الألماني.

فمن المتوقع أن يتراجع الفائض الجاري للبلاد، الذي ظل طويلًا أحد رموز قوتها الصناعية والتصديرية، من قرابة 6% من الناتج الداخلي الخام في سنة 2024 إلى نحو 3% في سنة 2027.

ووصف أحد أعضاء مجلس الخبراء الاقتصاديين الألماني هذا التطور بأنه «تدهور لافت في وقت قصير جدًا».

و لا يفسر ارتفاع فاتورة الطاقة كل شيء. فألمانيا تواجه أيضًا منافسة متزايدة من المنتجين الصينيين في قطاعات كانت تهيمن عليها تاريخيًا، ولا سيما السيارات والآلات الصناعية والتجهيزات التكنولوجية.

و كان نموذجها يقوم إلى حد كبير على طاقة بأسعار معقولة نسبيًا، ومنتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، وأسواق خارجية قوية. غير أن هذه الركائز الثلاث باتت اليوم تحت الضغط.

منطقة اليورو متأثرة أيضًا

ألمانيا ليست حالة معزولة.

فقد خفضت الحكومة الإيطالية توقعاتها للنمو إلى 0.6% في سنة 2026، وكذلك في سنة 2027. وربط وزير الاقتصاد الإيطالي، جيانكارلو جورجيتي، هذا التعديل مباشرة بارتفاع تكاليف الطاقة وتداعيات الحرب ضد إيران.

و على مستوى منطقة اليورو، لم تعد المفوضية الأوروبية تتوقع سوى نمو بنسبة 0.9% في سنة 2026، مقابل 1.2% في تقديراتها السابقة. أما في سنة 2027، فمن المتوقع أن يرتفع النمو بشكل محدود إلى 1.2%.

كما رفعت المفوضية توقعاتها للتضخم في منطقة اليورو إلى 3% في سنة 2026، مقابل 1.9% فقط كانت متوقعة سابقًا.

و تواجه أوروبا بذلك خطرًا صعب الإدارة بشكل خاص، يتمثل في نمو ضعيف مصحوب بتضخم مرتفع. ويحد هذا الوضع من هامش تحرك الحكومات والبنك المركزي الأوروبي، إذ يتعين دعم النشاط الاقتصادي دون تغذية مزيد من ارتفاع الأسعار.

لماذا يهم التباطؤ الألماني تونس؟

للوهلة الأولى، قد تبدو إفلاسات الشركات الألمانية وتوقعات برلين بعيدة عن الانشغالات التونسية. غير أن الاقتصادين مرتبطان عبر المبادلات التجارية، وسلاسل الصناعة الأوروبية، والاستثمارات، والجالية.

فجزء من الصناعة التونسية يعمل لفائدة مزودين أوروبيين، ولا سيما في مكونات السيارات، والكابلات، والتجهيزات الكهربائية، والنسيج، وبعض أنشطة الخدمات.

و عندما تخفض الشركات الصناعية الألمانية إنتاجها، أو تؤجل استثماراتها، أو تتلقى طلبيات أقل، يمكن أن ينتقل الأثر إلى الشركات المناولة الموجودة في تونس. وقد يؤدي تراجع الطلب الأوروبي حينها إلى التأثير في الصادرات، ودفاتر الطلبيات، وعلى المدى اللاحق في التشغيل.

و تُعد الجالية التونسية المقيمة في ألمانيا قناة انتقال أخرى. فاقتصاد أضعف، وارتفاع في البطالة، أو تراجع في القدرة الشرائية، قد يضغط على وضعية الأسر المعنية، وربما على التحويلات المالية المرسلة إلى تونس.

و هكذا، يمكن أن تمس صدمة هرمز تونس عبر مسارين. الأول مباشر، ويتمثل في ارتفاع فاتورتها الطاقية. أما الثاني فغير مباشر، ويتمثل في تباطؤ ألمانيا والاقتصادات الأوروبية التي تشتري المنتجات التونسية، وتشغل جزءًا من الجالية، وتستثمر في البلاد.

أزمة طاقية تحولت إلى خطر صناعي

تذكر الأزمة الحالية بمدى هشاشة الصناعة الأوروبية أمام الصدمات الجيوسياسية، رغم الجهود المبذولة منذ الحرب في أوكرانيا لتنويع مصادر الإمداد.

كانت ألمانيا تأمل في العودة تدريجيًا إلى مسار النمو بفضل الاستثمارات العمومية وتحديث بنيتها التحتية. لكنها تجد نفسها الآن أمام صدمة طاقية جديدة قد تطيل فترة الركود، وتسرّع وتيرة الإفلاسات، وتضعف نموذجها التصديري.

و بالنسبة إلى برلين، لم يعد الرهان يقتصر على تجاوز ارتفاع مؤقت في أسعار النفط، بل يتعلق بتحديد ما إذا كان أكبر اقتصاد أوروبي قادرًا على الحفاظ على تنافسيته في عالم أصبحت فيه الطاقة أكثر كلفة، والطرق التجارية أكثر اضطرابًا، والمنافسة الصناعية أكثر حدة.

أما بالنسبة إلى تونس، فإن متابعة هذا التطور ليست مجرد تمرين في السياسة الاقتصادية الخارجية، بل هي مراقبة لأحد محركات أوروبا، الذي تعتمد عليه أيضًا بعض صادراتها، ووظائفها الصناعية، ومداخيل جاليتها.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا