وتُعد هذه العملية الرابعة من نوعها خلال ثمانية أشهر. وخلف هذا الحدث تدور معركة هادئة لكنها حقيقية: معركة «أعلام الملاءمة» الأفريقية التي تستغلها موسكو، أحياناً من دون علم الدول المعنية، للالتفاف على العقوبات الدولية.
على بُعد أكثر من 400 ميل بحري غرب سواحل منطقة بريتاني الفرنسية، في قلب المحيط الأطلسي، اعترضت سفينة حربية فرنسية ناقلة النفط TAGOR يوم 31 ماي. وصعد فريق تفتيش إلى متن السفينة، حيث تم التحقق من الوثائق الرسمية. وسرعان ما تبيّن أن العلم الكاميروني الذي كانت ترفعه السفينة يُرجّح أنه مزيف.
وعلى إثر ذلك، أمر المدعي العام في مدينة بريست بتحويل مسار الناقلة. وهي الآن ترافقها البحرية الفرنسية إلى منطقة رسوّ مؤقتة بانتظار استكمال التحقيقات.
ويُعد هذا النوع من العمليات نادراً، إذ لا تلجأ إليه سوى قلة من دول العالم، وفرنسا من بينها.
أسطول الظل: شبكة من السفن ذات الملكية والهياكل التشغيلية غير الشفافة تُستخدم لنقل النفط الروسي رغم العقوبات المفروضة عليه.
علم الملاءمة: تسجيل سفينة في دولة تختلف عن دولة مالكها الحقيقي، غالباً بهدف خفض التكاليف أو تجاوز بعض القيود التنظيمية.
العلم المزيف: حالة أكثر خطورة تدّعي فيها السفينة أنها ترفع علم دولة معينة من دون أن تكون مسجلة قانونياً لديها.
لا تُعد TAGOR سفينة عادية. فهي ناقلة نفط بُنيت عام 2005، وغيّرت علمها خمس مرات منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وخلال السنوات الماضية حملت أسماء مختلفة وأبحرت تحت أعلام جزيرة مان وجزر مارشال ونيكاراغوا وبنما وغينيا ومدغشقر، ثم الكاميرون رسمياً.
ومهمتها معروفة: نقل النفط الروسي من موانئ بريمورسك وأوست-لوغا إلى الصين والهند، مع الالتفاف على العقوبات الدولية. ومنذ عام 2024، أُدرجت السفينة على قوائم العقوبات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وسويسرا وكندا. كما رُصدت مراراً في بحر البلطيق وهي تبحر مع إيقاف جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بها، وهي ممارسة خطيرة على سلامة الملاحة ومخالفة للقانون.
ويُصنَّف هذا النوع من السفن ضمن ما يُعرف في الأوساط البحرية باسم «أسطول الظل».
يشير هذا المصطلح إلى مئات ناقلات النفط القديمة التي تم شراء العديد منها بأسعار منخفضة، وتُستخدم لنقل النفط الروسي عبر الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة منذ عام 2022.
وتشترك هذه السفن في عدة خصائص، أبرزها التغيير المتكرر للأعلام، وإخفاء المالكين الحقيقيين خلف شركات واجهة، والاستفادة من سجلات بحرية في دول لا تُدقق كثيراً في خلفية السفن التي تقوم بتسجيلها.
ويسمح هذا الأسطول لموسكو بمواصلة تصدير النفط والغاز رغم الحظر والعقوبات، ما يوفر مصدراً مالياً مهماً لتمويل المجهود الحربي الروسي. ولهذا أصبح تفكيك هذه المنظومة أولوية أوروبية.
لم يكن اعتراض TAGOR عملية معزولة، بل جاء ضمن سلسلة من الإجراءات المتصاعدة. فقد سبقته ثلاث ناقلات أخرى تعرضت للإجراء نفسه: BORACAY في سبتمبر 2025، وGRINCH في جانفي 2026، ثم DEYNA في مارس 2026.
وجاء التحول القضائي في نهاية مارس، عندما حكمت المحكمة الجنائية في بريست على قبطان BORACAY بالسجن لمدة عام نافذ وغرامة قدرها 150 ألف يورو، بعد رفضه الامتثال لأوامر التفتيش أثناء عملية الاعتراض. كما صدر بحقه أمر توقيف.
وكان ذلك سابقة في فرنسا ورسالة سياسية واضحة: فهذه العمليات لم تعد ذات طابع عسكري فقط، بل أصبحت تفضي إلى ملاحقات قضائية فعلية.
وسارت المملكة المتحدة في الاتجاه نفسه، إذ عدّلت لندن مؤخراً تشريعاتها بما يسمح لها باعتراض السفن الخاضعة للعقوبات أثناء عبورها مياهها الإقليمية. ولم تعد باريس تتحرك وحدها في هذا الملف.
هذا هو السؤال الذي يطرحه كثيرون: كيف يمكن لدولة أن توقف سفينة أجنبية في عرض المحيط؟
يكمن الجواب في المادة 110 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة في مونتيغو باي عام 1982. وتمنح هذه المادة السفن الحربية حق تفتيش سفينة في أعالي البحار في حالات محددة، منها وجود أسباب جدية تدعو للاعتقاد بأنها عديمة الجنسية.
ومن الناحية القانونية، يُعامل رفع علم مزيف كما لو أن السفينة لا ترفع أي علم على الإطلاق. فإذا ادعت سفينة أنها كاميرونية من دون أن تكون مدرجة في السجل البحري الكاميروني، فإنها تُعتبر قانونياً سفينة عديمة الجنسية.
وفي هذه الحالة، يحق لأي سفينة حربية تفتيشها.
وهنا تكمن الدقة القانونية التي تتيح لفرنسا التحرك من دون الحاجة إلى موافقة أي طرف. فلا حاجة إلى تفويض دولي أو إذن من دولة العلم، ما دامت هناك مبررات جدية تستند إلى قانون البحار.
هنا تكتسب القضية بعداً يهم القارة الأفريقية مباشرة.
فمن أجل الالتفاف على العقوبات، يعتمد أسطول الظل الروسي بشكل واسع على ما يُعرف بـ«أعلام الملاءمة»، أي السجلات البحرية التابعة لدول توافق على تسجيل سفن أجنبية مقابل رسوم مالية، من دون التحقق دائماً بدقة من هوية المالكين الحقيقيين.
ويُعد كل من بنما وجزر مارشال من أبرز الجهات الفاعلة في هذا السوق. غير أن عدداً من الدول الأفريقية أصبح خلال السنوات الأخيرة جزءاً من هذه المعادلة، من بينها الكاميرون وغينيا ومدغشقر وغيرها.
وتكمن المشكلة في أن هذه الأعلام تُستخدم أحياناً بطريقة احتيالية. فبعض السفن ترفع أعلام دول معينة من دون أن تكون مسجلة لديها أصلاً، وهو ما يشكل انتحالاً واضحاً للصفة.
وفي أفريل 2026، أصدرت الوكالة المينائية والبحرية في مدغشقر تعميماً رسمياً حذّرت فيه من هذه الظاهرة، حيث أدرجت نحو أربعين سفينة تدّعي رفع العلم الملغاشي من دون ترخيص. وكانت TAGOR من بين تلك السفن.
وأكدت مدغشقر بوضوح رفضها الارتباط بهذه الممارسات.
واليوم تجد الكاميرون نفسها في موقف مشابه، وقد تلحق بها دول أفريقية أخرى.
تطرح هذه القضايا سؤالاً مباشراً أمام الحكومات الأفريقية: هل ينبغي الاستمرار في السماح لمشغلين أجانب باستخدام السجلات البحرية الوطنية كواجهة لأنشطة تخضع للعقوبات الدولية؟
ولا يقتصر الرهان على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل يتعلق أيضاً بالسمعة البحرية للدولة، وبالتالي بجاذبيتها الاقتصادية.
فالدولة التي يرتبط علمها بأسطول الظل الروسي تفقد تدريجياً ثقة شركات التأمين وملاك السفن الجادين والموانئ الدولية. وعلى المدى الطويل، قد تكون الخسائر أكبر بكثير من العائدات المتأتية من رسوم التسجيل.
وتحت ضغط أوروبي ومن دول مجموعة السبع، بدأت عدة دول بالفعل بتنظيف سجلاتها البحرية وشطب السفن المشبوهة منها. ورغم أن العملية تستغرق وقتاً، فإنها تتقدم تدريجياً.
لا يقتصر هدف فرنسا وشركائها على احتجاز عدد محدود من ناقلات النفط، بل يتمثل في جعل أسطول الظل الروسي أقل قدرة على العمل مع مرور الوقت.
فكل عملية اعتراض تفرض تكاليف إضافية على موسكو، سواء عبر الغرامات أو استعادة السفن أو تحويل مسارات الشحنات أو خسارة أيام من النقل البحري.
كما تصبح شركات التأمين أكثر حذراً، ويتردد الوسطاء التجاريون، وتضيق الخيارات أمام السفن في الموانئ المستقبلة.
والأهم من ذلك أن كل عملية تدفع مزيداً من سفن أسطول الظل إلى التخلي عن الأعلام المزيفة والعودة إلى رفع العلم الروسي مباشرة.
وهذا تحديداً ما تسعى إليه أوروبا، إذ إن السفن التي ترفع العلم الروسي تخضع تلقائياً للعقوبات الأوروبية. وكلما ازداد «الطابع الروسي» لأسطول الظل، أصبح استهدافه قانونياً وعقابياً أسهل.
إنها سياسة تقوم على الخنق البطيء والمتدرج.
ولسنوات طويلة، وُصف القانون البحري الدولي بأنه نظام هش يعتمد إلى حد كبير على حسن نية الدول. وقد استغل أسطول الظل الروسي مختلف الثغرات المتاحة فيه، من خلال تغيير الأعلام بصورة متكررة، وإخفاء المالكين الحقيقيين، واستخدام شركات الواجهة، وتعطيل أجهزة التتبع أثناء الإبحار.
أما عمليات الاعتراض الفرنسية، فتعيد قدراً من الفاعلية إلى هذا الإطار القانوني، وتُظهر أن الدولة التي تمتلك الإرادة السياسية يمكنها، بالاستناد إلى النصوص القائمة، مواجهة محاولات الالتفاف على العقوبات بشكل عملي.
وبالنسبة للدول الأفريقية التي جرى استغلالها مراراً في مثل هذه القضايا، فإن الأمر يمثل أيضاً فرصة لاستعادة السيطرة على سجلاتها البحرية، وحماية سمعتها الدولية، وتجنب التحول، من دون قصد، إلى غطاء لأنشطة لم توافق عليها يوماً.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية