لم يعد انخفاض معدل المواليد مجرد قضية ديموغرافية، بل أصبح مسألة اقتصادية واجتماعية واستراتيجية بالنسبة للعديد من الدول.
في مختلف أنحاء العالم، تسعى الحكومات إلى فهم الأسباب التي تدفع الشباب إلى تأجيل الزواج، أو تأخير إنجاب الطفل الأول، أو التخلي عن فكرة توسيع أسرهم. كما بدأت الشركات الكبرى بدورها في التدخل عبر تقديم مساعدات تتعلق بالأبوة والأمومة، ورعاية الأطفال، وعلاجات الخصوبة.
هذه الظاهرة عالمية. فمعدل الخصوبة في العالم يبلغ نحو 2.2 طفل لكل امرأة، وهو مستوى قريب من عتبة تجدد الأجيال التي تُقدَّر عادة بحوالي 2.1 طفل لكل امرأة. أما في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE)، فإن التراجع أكثر وضوحاً، إذ انخفض متوسط الخصوبة من 3.3 أطفال لكل امرأة عام 1960 إلى 1.5 طفل فقط عام 2022.
تضم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حالياً 38 دولة عضواً موزعة في مختلف أنحاء العالم. وتعمل هذه المنظمة الدولية على تشجيع السياسات الرامية إلى تحسين الرفاه الاقتصادي والاجتماعي. وتشمل قائمة أعضائها الرسمية الدول التالية:
أمريكا الشمالية: كندا، الولايات المتحدة، المكسيك.
أمريكا الجنوبية: تشيلي، كولومبيا.
أوروبا: ألمانيا، النمسا، بلجيكا، الدنمارك، إسبانيا، إستونيا، فنلندا، فرنسا، اليونان، المجر، إيرلندا، آيسلندا، إيطاليا، لاتفيا، ليتوانيا، لوكسمبورغ، النرويج، هولندا، بولندا، البرتغال، التشيك، سلوفاكيا، سلوفينيا، السويد، سويسرا، تركيا.
آسيا والمحيط الهادئ: أستراليا، كوريا الجنوبية، اليابان، نيوزيلندا.
لكن بالنسبة إلى تونس، لم يعد هذا الموضوع بعيداً أو نظرياً. فالأرقام الحديثة تظهر أن التراجع أصبح واقعاً ملموساً، إذ يمس عدد الولادات والزواج وسن تكوين الأسرة، وسيؤثر على المدى الطويل في توازن سوق العمل وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية.
وفقاً لمعطيات المعهد الوطني للإحصاء، انخفض عدد الولادات في تونس من 195,823 ولادة سنة 2019 إلى 135,148 ولادة سنة 2023، أي بتراجع يقارب 60,700 ولادة خلال أربع سنوات فقط.
كما هبط مؤشر الخصوبة في تونس إلى 1.58 طفل لكل امرأة سنة 2023، مقابل 2.17 طفل سنة 2019، وفقاً للبيانات الوطنية المتداولة في النقاش العام. ويُعد هذا المستوى أقل بكثير من عتبة تجدد الأجيال.
من جهتها، تقدّر البنك الدولي معدل الخصوبة في تونس بنحو 1.83 طفل لكل امرأة سنة 2023. ويعود الفارق بين هذا الرقم و1.58 إلى اختلاف طرق الحساب والسلاسل الإحصائية المعتمدة. إلا أن المصدرين يتفقان على النتيجة نفسها: تونس أصبحت دون عتبة تجدد الأجيال.
وسيكون لهذا التحول آثار عميقة، إذ إن استمرار الخصوبة عند مستويات منخفضة يعني مستقبلاً عدداً أقل من الأطفال، وعدداً أقل من الشباب النشطين اقتصادياً، ومزيداً من كبار السن، وضغطاً متزايداً على أنظمة التقاعد والصحة والتضامن العائلي.
لا يُفسَّر انخفاض عدد الولادات فقط بارتفاع تكاليف المعيشة، بل يرتبط أيضاً بتراجع الزواج وتأخره إلى سن متقدمة.
فقد سجلت تونس 110,119 عقد زواج سنة 2013، ثم انخفض العدد إلى 95,336 سنة 2017، ليصل إلى 71,572 سنة 2021، أي بتراجع يقارب 36% خلال ثماني سنوات، وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء. وفي سنة 2023، أحصى المعهد 72,953 عقد زواج، بانخفاض نسبته 12.2% مقارنة بسنة 2019. وبذلك شهد المنحنى انهياراً واضحاً حتى بداية العقد الحالي قبل أن يستقر عند مستوى منخفض.
وفي مجتمع لا تزال الولادات فيه مرتبطة إلى حد كبير بإطار الزواج، فإن تراجع عدد الزيجات وتأخرها يؤديان بشكل مباشر إلى انخفاض عدد المواليد. وبالتالي فإن الظاهرة تحمل أبعاداً اجتماعية وثقافية واقتصادية في آن واحد.
ويترافق هذا الضعف في مؤسسة الزواج مع ارتفاع حالات الانفصال. فوفقاً للمعهد الوطني للإحصاء، ارتفع عدد حالات الطلاق بنسبة 27.2% بين عامي 2021 و2023، منتقلاً من نحو 12,600 حالة إلى أكثر من 16,000 حالة قضت بها المحاكم. ويعكس تراجع الزواج وارتفاع الطلاق تحولاً مشتركاً في العلاقة مع الحياة الزوجية والالتزام الأسري.
ولا يؤجل الأزواج الشباب الزواج بدافع الاختيار الشخصي فقط، بل لأن الدخول إلى مرحلة الرشد أصبح أكثر كلفة: صعوبة الحصول على السكن، هشاشة التشغيل، ضعف المداخيل، ارتفاع تكاليف حفلات الزواج، الضغوط العائلية، ونفقات تأسيس المنزل.
وعلى سبيل المثال، تبلغ الكلفة المتوسطة للزواج في تونس نحو 30 ألف دينار بين التحضيرات وتجهيز المسكن. وبالتالي فإن انخفاض المواليد يرتبط أيضاً بتزايد الأعباء المادية للحياة الأسرية.
ليست تونس الدولة الوحيدة التي تشهد هذه الظاهرة، لكنها تبدو أكثر تقدماً من بعض جيرانها في هذا التحول الديموغرافي.
ووفقاً للبيانات الدولية لسنة 2023، يبلغ معدل الخصوبة نحو 2.21 طفل لكل امرأة في المغرب، و2.72 في الجزائر، و2.30 في ليبيا. أما تونس فتسجل مستوى أدنى يبلغ نحو 1.83 طفل لكل امرأة بحسب البنك الدولي.
وفي العالم العربي أيضاً، أصبح الاتجاه واضحاً. ففي مصر، أعلنت السلطات الصحية أن معدل الخصوبة انخفض إلى 2.41 طفل لكل امرأة سنة 2024، مقابل 2.85 سنة 2021، أي بتراجع نسبته 15.4% خلال ثلاث سنوات. أما في السعودية، فيبلغ معدل الخصوبة نحو 2.31 طفل لكل امرأة وفقاً للبيانات الدولية.
وبمعنى آخر، لم يعد انخفاض المواليد ظاهرة مقتصرة على أوروبا أو شرق آسيا، بل أصبح يشمل المجتمعات العربية أيضاً، وإن بوتيرة متفاوتة من بلد إلى آخر.
أما بالنسبة إلى تونس، فإن الإشارة أكثر وضوحاً لأنها أصبحت بالفعل تحت عتبة تجدد الأجيال، ما يجعل من الضروري التعامل مع ملف الخصوبة باعتباره قضية اقتصادية واجتماعية كبرى، وليس مجرد شأن خاص.
يُظهر هذا الجدول أن تونس أصبحت في وضع قريب من العديد من الدول المتقدمة، رغم أن مستوى دخلها وسوق عملها وخدماتها الموجهة للأسر لا يُقارن بما هو متوفر في الاقتصادات الأكثر ثراءً.
وهنا تكمن المعضلة التونسية: فالبلاد تشهد انخفاضاً سريعاً في معدل المواليد، لكنها لا تمتلك بعد سياسات أسرية قوية بما يكفي لتعويض الكلفة الحقيقية لتربية الأطفال.
لا يعني انخفاض الخصوبة دائماً أن الشباب لم يعودوا يرغبون في الإنجاب. ففي كثير من البلدان، يعكس الأمر صعوبة متزايدة في تحقيق حجم الأسرة الذي يتمنونه.
وتتمثل أبرز العوائق في العوامل الاقتصادية: ضعف الدخل، هشاشة الوظائف، ارتفاع أسعار السكن، تكاليف رعاية الأطفال، المصاريف الصحية، الأعباء النفسية، وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والحياة الأسرية.
وفي تونس، تبدو هذه القراءة ملائمة تماماً. فقرار الإنجاب ليس مجرد خيار شخصي، بل هو أيضاً قرار اقتصادي. وعندما تكون المداخيل غير مستقرة، والسكن مرتفع التكلفة، وخدمات الرعاية محدودة، يفضّل كثير من الأزواج الانتظار أو تقليص مشروعهم الأسري أو التخلي عنه نهائياً.
ومن ثم فإن المشكلة أوسع بكثير من مجرد منحة ولادة، إذ تتعلق بمرحلة الدخول إلى الحياة الراشدة، والاستقرار المهني، وتكاليف السكن، والثقة في المستقبل، وقدرة الأسر على التخطيط بعيد المدى.
تختلف السياسات العامة من دولة إلى أخرى، لكنها تعتمد غالباً على الأدوات نفسها: المساعدات المباشرة، وإجازات الأبوة والأمومة، وخدمات رعاية الأطفال، والحوافز الضريبية، وسياسات السكن، ودعم تشغيل النساء.
في فرنسا، يقوم النموذج التقليدي على المخصصات العائلية، ومساعدات الحضانة، وإجازات الوالدين، والسياسات التي تسهل التوفيق بين العمل والحياة الأسرية. ورغم أن هذا النموذج لم يمنع التراجع الأخير في الخصوبة، فإنه لا يزال يُعد من أكثر السياسات الأسرية تنظيماً.
أما في ألمانيا، فتركز السياسات على إجازات الوالدين المدفوعة الأجر، ودعم رعاية الأطفال، وتحسين خدمات الطفولة المبكرة. والهدف الأساسي هو الحد من التكلفة المهنية للأمومة والأبوة، خصوصاً بالنسبة للنساء.
وفي عدد من دول شرق آسيا، حيث مستويات الخصوبة منخفضة جداً، تقدم الحكومات منح ولادة وإعانات مالية ومساعدات سكن ودعماً لدور الحضانة. ففي اليابان مثلاً، تُصرف مخصصات شهرية للأطفال تختلف قيمتها حسب العمر وعدد أفراد الأسرة.
كما أطلقت كوريا الجنوبية برامج دعم مالي واسعة تشمل منح الولادة والمساعدات الخاصة برعاية الأطفال. إلا أن النتائج بقيت محدودة رغم ضخامة الميزانيات، ما يثبت أن المال وحده لا يكفي عندما يواجه الشباب ساعات عمل طويلة، وسكناً مرتفع التكلفة، وضغوطاً اجتماعية كبيرة.
لفترة طويلة، اعتُبرت مسألة الخصوبة شأناً يخص الدول وحدها. لكن هذا الأمر بدأ يتغير. ففي البلدان التي تشهد منافسة قوية على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، أصبحت شركات كبرى تقدم مزايا مرتبطة بالأبوة والأمومة.
في الولايات المتحدة، توفر شركة وولمارت لبعض موظفيها برامج دعم لتكوين الأسرة تشمل علاجات الخصوبة والتبني والحمل البديل، مع مساعدات قد تصل إلى 20 ألف دولار لبعض النفقات المؤهلة.
وفي اليابان، تقدم شركة سوفت بنك نموذجاً لافتاً للنظر، إذ تمنح موظفيها الدائمين مكافآت ولادة تبدأ من 50 ألف ين للطفل الأول وتصل إلى 5 ملايين ين للطفل الخامس. وخلال عام 2024، استفاد 619 موظفاً من دعم يتعلق بالطفل الأول أو الثاني، فيما استفاد 93 موظفاً من دعم للطفل الثالث أو أكثر.
ولا تعني هذه الأمثلة أن الشركات تستطيع تعويض دور الدولة، لكنها تظهر أن الأبوة والأمومة أصبحت أيضاً جزءاً من سياسات إدارة الموارد البشرية. فالإجازات المرنة، والعمل عن بعد، وساعات العمل القابلة للتكييف، ودور الحضانة داخل المؤسسات، والتأمين الصحي العائلي، والدعم النفسي، والمساعدة في علاجات الخصوبة، كلها عوامل قد تحدث فرقاً ملموساً في حياة الأسر الشابة.
لا تنطلق تونس من الصفر في هذا المجال. فقد أعاد القانون عدد 44 لسنة 2024 المؤرخ في 12 أوت/أغسطس 2024 تنظيم إجازات الأمومة والأبوة في الوظيفة العمومية والقطاعين العام والخاص.
ومن بين أبرز الإجراءات، منح الأب إجازة أبوة مدتها سبعة أيام بأجر كامل. كما يمكن للأم، بعد انتهاء إجازة ما بعد الولادة، طلب إجازة إضافية تتراوح بين شهر وأربعة أشهر. وفي الوظيفة العمومية والقطاع العام تُمنح هذه الإجازة بنصف الأجر، بينما ينص القطاع الخاص على تعويض وفق القواعد المعمول بها.
كما يوفر النظام التونسي منحاً عائلية وبعض آليات الحماية الاجتماعية عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بحسب الحالات. غير أن هذه الآليات لا تزال محدودة مقارنة بالكلفة الإجمالية للأبوة والأمومة، التي تشمل السكن والصحة والنقل ورعاية الأطفال والتعليم وخسارة جزء من الدخل المحتملة وتنظيم العمل وتكاليف المعيشة اليومية.
وبالتالي فإن التحدي لا يكمن فقط في إضافة مساعدة مالية ظرفية، بل في بناء بيئة تسمح للشباب بتأسيس أسرة من دون أن تتحول كل ولادة إلى مخاطرة مالية.
يمكن للشركات الكبرى والبنوك وشركات التأمين والمجموعات الصناعية والتكنولوجية ومؤسسات الخدمات في تونس أن تؤدي دوراً أكثر فاعلية.
فدعم الأسر لا يقتصر على منح مالية. إذ يمكن للمؤسسات مساعدة الموظفين عبر ساعات عمل أكثر مرونة، والعمل عن بعد جزئياً عندما تسمح طبيعة الوظيفة بذلك، وتأمين صحي عائلي أشمل، واتفاقيات مع دور الحضانة، ومساعدات لرعاية الأطفال، وإجازات والدية أكثر تنظيماً، وبرامج مرافقة للعودة إلى العمل بعد الأمومة.
كما يمكن أن تصبح هذه السياسات ميزة تنافسية مهمة. ففي بلد يسعى فيه العديد من الكفاءات الشابة إلى الهجرة، تستطيع المؤسسات التي تدعم الحياة الأسرية بشكل أفضل أن تعزز جاذبيتها وتحافظ على موظفيها.
وهكذا، فإن قضية الخصوبة لا تخص الدولة وحدها، بل ترتبط أيضاً بعالم العمل، وجودة الحياة، والاستقرار المهني، والطريقة التي تتعامل بها المؤسسات مع الأبوة والأمومة.
يستحق هذا الملف أن يُنظر إليه بجدية في تونس. فالبلاد تجاوزت بالفعل عتبة تجدد الأجيال نزولاً، في وقت لا تزال فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية مرتفعة.
ومن المرجح أن منحة ولادة بسيطة لن تكون كافية لتغيير الاتجاه على المدى الطويل. فالدول التي تنجح أكثر في دعم الأسر ليست فقط تلك التي تقدم إعانات مالية، بل تلك التي تخفض الكلفة الإجمالية لتربية الطفل على امتداد سنوات.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال إجراءات موجهة مثل تحسين خدمات الحضانة العامة والخاصة، ودعم رعاية الأطفال للأزواج الشباب، وتطوير إجازات الوالدين، وتقديم مزايا ضريبية للأسر، ودعم الأمهات العاملات، واعتماد ساعات عمل أكثر مرونة، وتسهيل الحصول على السكن للشباب، وإشراك الشركات في دعم الحياة الأسرية لموظفيها.
لكن على تونس أيضاً أن تنظر إلى القضية من زاوية التقاعد والصحة وسوق العمل. فقلة المواليد اليوم تعني عدداً أقل من العاملين غداً. وإذا استمر هذا الاتجاه، فستجد البلاد نفسها أمام مجتمع أكثر شيخوخة وقاعدة إنتاجية أضيق.
وفي مختلف أنحاء العالم، تختبر الحكومات والشركات الكبرى حلولاً متنوعة لدعم المواليد. فبعضها يراهن على المنح المالية، وبعضها الآخر على خدمات رعاية الأطفال أو إجازات الوالدين أو السكن أو دعم الخصوبة. غير أن الدرس الأساسي واضح: المال يساعد، لكنه لا يكفي وحده.
ففي عام 1966، لم تكن نسبة من تجاوزوا سن الستين في تونس تتجاوز 5% من السكان. أما اليوم فتُقدَّر بنحو 17%، وقد تبلغ قرابة 20% بحلول سنة 2030. وهنا يتغير جوهر المسألة: لم يعد انخفاض المواليد مجرد قضية أسرية، بل أصبح تحدياً يتعلق بالتقاعد والرعاية الصحية وسوق العمل والتوازن بين الأجيال.
لذلك فإن النقاش في تونس لا يقتصر على ما إذا كان ينبغي صرف منحة عند الولادة، بل يتعلق بكيفية جعل الزواج والسكن والعمل والأبوة والأمومة متوافقة مع الواقع المعيشي للأزواج الشباب. فالتوازن الديموغرافي لا يُستعاد بمرسوم واحد، بل يُبنى على مدى جيل كامل.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية