تؤكد المؤشرات الصادرة عن مجموعة البنك الإفريقي للتنمية أن الصناعة التونسية بدأت تستعيد تدريجيا موقعها داخل المشهد الصناعي الإفريقي، بعد سنوات من الضغوط المرتبطة بضعف الاستثمار وارتفاع كلفة التمويل والطاقة والتقلبات الجيوسياسية العالمية حيث احتلت تونس المرتبة الرابعة إفريقيا ضمن مؤشر التصنيع في إفريقيا لسنة 2025، في نسخته الثانية التي نشرتها مجموعة البنك بمناسبة اجتماعاتها السنوية المنعقدة من 25 إلى 29 ماي 2026 في برازافيل، لتدخل بذلك ضمن كوكبة الدول الصناعية الخمس الأولى في القارة .
وجاء المغرب في المرتبة الأولى، تليه جنوب إفريقيا ثم مصر، فيما حلت تونس في المرتبة الرابعة متقدمة على جزر الموريس. ويكتسي هذا التصنيف أهمية خاصة بالنظر إلى احتدام المنافسة الصناعية داخل القارة، في وقت تسعى فيه الاقتصادات الإفريقية إلى تقليص التبعية للواردات وتعزيز سلاسل القيمة المحلية .
وتعكس هذه النتيجة قدرة النسيج الصناعي التونسي على المحافظة على حد أدنى من التنافسية رغم محدودية السوق الداخلية وضعف الموارد الطاقية. كما تبرز خصوصية النموذج الصناعي التونسي القائم أساسا على الصناعات التصديرية ذات القيمة المضافة المتوسطة والعالية، وخاصة مكونات السيارات والصناعات الكهربائية والإلكترونية والنسيج التقني والصناعات الغذائية والدوائية .
المقارنة الإقليمية وفجوة الاستثمار الصناعي
تبرز المقارنة مع دول المنطقة أن تونس ما تزال تمتلك قاعدة صناعية متنوعة مقارنة بعديد الاقتصادات الإفريقية، غير أن الفارق بينها وبين المغرب أو مصر يظل مرتبطا أساسا بحجم الاستثمارات الصناعية الكبرى والبنية اللوجستية والقدرة على جذب الشركات العالمية فقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومة صناعية متكاملة في قطاع السيارات والطيران، إذ تجاوزت صادراته الصناعية 38 مليار دولار سنة 2025، مدفوعة بمصانع كبرى مرتبطة بسلاسل الإنتاج الأوروبية. كما عززت مصر بدورها تموقعها الصناعي مستفيدة من سوق داخلية تفوق 110 ملايين نسمة واستثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة .
أما تونس، فرغم محدودية حجم اقتصادها الذي يناهز 56 مليار دولار، فإن القطاع الصناعي لا يزال يمثل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، حيث تساهم الصناعات المعملية بما يقارب 16 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتستحوذ على أكثر من 80 بالمائة من الصادرات السلعية، كما تشغل قرابة 540 ألف عامل وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء ووكالة النهوض بالصناعة والتجديد .
وتبرز قطاعات الصناعات الميكانيكية والكهربائية كأكبر مصدر للعملة الاجنبية، بعدما تجاوزت صادراتها 24 مليار دينار سنة 2025، فيما أصبحت تونس تضم أكثر من 280 مؤسسة أجنبية تنشط في مكونات السيارات والطائرات، أغلبها موجه نحو السوق الأوروبية .
تحديات هيكلية متراكمة
تكشف المعطيات في المقابل أن المحافظة على هذا التموقع الإقليمي تتطلب إصلاحات أعمق وأكثر سرعة ذلك ان الصناعة التونسية تواجه ارتفاعا متواصلا في كلفة الطاقة والتمويل، إلى جانب ضعف الإنتاجية وتباطؤ نسق الاستثمار الصناعي الخاص .
وقد تراجعت حصة الاستثمار الصناعي من إجمالي الاستثمارات الخاصة مقارنة بما كانت عليه قبل سنة 2011، في وقت تشير فيه تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة الخدمات اللوجستية في تونس تفوق في بعض الأحيان 20 بالمائة من قيمة البضائع، وهي نسبة أعلى من المعدلات المسجلة في الاقتصادات الصناعية الصاعدة .
كما يظل الاندماج التكنولوجي محدودا داخل عدد كبير من المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 90 بالمائة من النسيج الاقتصادي الوطني. وتواجه هذه المؤسسات صعوبات متزايدة في النفاذ إلى التمويل وفي مواكبة التحول الرقمي والتكنولوجيات الصناعية الحديثة .
التحولات العالمية تفتح فرصا جديدة أمام تونس
تمنح التحولات الجيواقتصادية الحالية لتونس فرصا مهمة لإعادة التموقع الصناعي، خاصة مع توجه الشركات الأوروبية نحو سياسة “القرب الصناعي” وتقليص الاعتماد المفرط على سلاسل التوريد الآسيوية. ويمنح الموقع الجغرافي لتونس وارتباطها باتفاقيات تبادل حر مع الاتحاد الأوروبي وعديد الأسواق الإفريقية أفضلية تنافسية يمكن استغلالها بشكل أكبر .
وتتزايد كذلك أهمية الصناعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات الدوائية والمعدات الطبية، وهي قطاعات مرشحة لاستقطاب استثمارات جديدة خلال السنوات المقبلة. كما يمكن لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أن تفتح آفاقا إضافية أمام الصادرات الصناعية التونسية نحو أسواق يتجاوز عدد مستهلكيها 1,4 مليار نسمة .
وتشير تقديرات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن 41 دولة إفريقية من أصل 54 حسنت أداءها الصناعي، فيما تجاوزت 26 دولة المتوسط القاري، بما يعكس دخول القارة مرحلة جديدة من التنافس الصناعي. غير أن إفريقيا لا تزال تمثل أقل من 2 بالمائة من الإنتاج الصناعي العالمي و1,4 بالمائة فقط من صادرات المنتجات المصنعة عالميا، رغم ارتفاع القيمة المضافة للصناعة التحويلية من 285 مليار دولار سنة 2020 إلى 351 مليار دولار سنة 2025 .
رهانات تنموية مختلفة
تؤكد المؤشرات الحالية أن مستقبل النمو في تونس سيظل مرتبطا بقدرتها على إعادة بناء قاعدة صناعية أكثر إنتاجية وابتكارا واندماجا في الاقتصاد العالمي اذ تظهر التجارب الدولية أن التحول الصناعي يبقى المسار الأسرع لخلق الثروة ورفع الصادرات وتحسين التشغيل وتقليص الهشاشة الخارجية .
وتحتاج البلاد في هذا السياق إلى تسريع الإصلاحات المتعلقة بالمناخ الاستثماري والطاقة واللوجستيك والرقمنة والتكوين المهني، بالتوازي مع تطوير سياسة صناعية أكثر توجيها نحو التكنولوجيا والتصدير والقيمة المضافة العالية. كما تبدو الحاجة ملحة لإرساء شراكة أوثق بين الجامعة والمؤسسة الصناعية من أجل دعم البحث والتطوير ورفع الإنتاجية .
وتبرز المرتبة الرابعة إفريقيا كمؤشر إيجابي على صمود الصناعة التونسية وقدرتها على التكيف، لكنها تعكس في الوقت ذاته حجم الرهانات المقبلة في عالم صناعي يعاد تشكيله بسرعة تحت ضغط التكنولوجيا والطاقة والتحولات الجيوسياسية الكبرى .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية