تشدّد فرنسا بشكل واضح سياستها تجاه الطلبة الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي. فقد أكد مرسوم جديد نُشر في الجريدة الرسمية زيادة كبيرة في معاليم التسجيل بالجامعات العمومية الفرنسية، مع تطبيق تدريجي بداية من السنة الجامعية المقبلة.
ويهدف المرسوم عدد 2026-385، الذي يحمله وزير التعليم العالي والبحث والفضاء الفرنسي، فيليب بابتيست، إلى تطبيق أكثر صرامة لـ«معاليم التسجيل التفاضلية» التي تم إقرارها منذ سنة 2019 في إطار برنامج «Choose France for Higher Education».
وإلى حد الآن، كانت عديد الجامعات تتحايل إلى حد كبير على هذه السياسة من خلال منح إعفاءات واسعة للطلبة الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي. غير أن النص الجديد يقلّص بشكل كبير هامش المناورة المتاح للمؤسسات الجامعية.
سيكون الطلبة الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي الأكثر تأثرًا بهذا الإصلاح. ففي مرحلة الإجازة، سترتفع معاليم التسجيل إلى 2895 يورو سنويًا، مقابل 178 يورو حاليًا. أما في مرحلة الماجستير، فستصعد المعاليم إلى 3941 يورو في السنة، مقابل 254 يورو حاليًا.
وبالنسبة إلى عائلة تونسية، تصبح الصدمة المالية كبيرة. ففي مرحلة الإجازة، تصل الكلفة الإضافية إلى نحو 2717 يورو في السنة، أي ما يقارب 9000 دينار تونسي وفق سعر الصرف الحالي. أما في الماجستير، فتقترب الزيادة من 3700 يورو، أي أكثر من 12000 دينار إضافية سنويًا.
ولا تشمل هذه المبالغ سوى المعاليم الجامعية. وتُضاف إليها كلفة السكن والأكل والنقل والتأمين والإجراءات الإدارية ومصاريف الحياة اليومية، في سياق لا يزال فيه اليورو مرتفعًا أمام الدينار التونسي.
يعدّل المرسوم عدة أحكام من مجلة التعليم الفرنسية، ويؤطر الآن بشكل أكثر صرامة الإعفاءات التي تمنحها المؤسسات الجامعية.
وبالنسبة إلى العودة الجامعية 2026، سيكون بإمكان الجامعات إعفاء ما يصل إلى 30% من الطلبة الأجانب الجدد المعنيين. وسينخفض هذا السقف إلى 25% في 2027، ثم إلى 20% في 2028.
وقد قوبل هذا المسار برفض واسع خلال اجتماع المجلس الوطني للتعليم العالي والبحث، يوم 12 ماي، إذ حصل النص على 62 صوتًا رافضًا، مقابل صوتين فقط مؤيدين و4 امتناعات.
وينص المرسوم على أن رؤساء الجامعات سيظلون قادرين على منح إعفاءات جزئية أو كلية للطلبة الذين يتقدمون بطلبات في هذا الشأن بسبب وضعياتهم الشخصية أو مواردهم المالية. غير أن الفئات المؤهلة تلقائيًا للإعفاء تشمل أساسًا مواطني الاتحاد الأوروبي أو بعض حاملي تصاريح الإقامة الخاصة.
وبالنسبة إلى الطلبة الأفارقة والمغاربيين، تصبح فرص الحصول على إعفاءات أكثر محدودية بكثير.
ومع ذلك، يتضمن النص بعض الإجراءات الانتقالية. فالطلبة الذين يستفيدون حاليًا من إعفاء بعنوان السنة الجامعية 2025-2026 سيحتفظون بهذا الامتياز إلى نهاية مسارهم الجامعي، شريطة مواصلة الدراسة في المؤسسة نفسها.
كما سيواصل الطلبة الذين حصلوا على إعفاء بعنوان السنة الجامعية 2026-2027 قبل دخول المرسوم حيز التنفيذ الاستفادة منه وفق الشروط نفسها.
يأتي هذا الإصلاح في سياق أوسع من تشديد ظروف عيش الطلبة الأجانب في فرنسا.
كما ينص قانون المالية لسنة 2026 على إلغاء المساعدات الشخصية للسكن بالنسبة إلى الطلبة الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي غير الحاصلين على منح. وقد صادق المجلس الدستوري على هذا الإجراء، ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في 1 جويلية 2026.
وبالنسبة إلى عدد كبير من الطلبة، تمثل خسارة هذه المساعدات نقصًا في الموارد يتراوح بين 150 و250 يورو شهريًا، أي ما قد يصل إلى نحو 3000 يورو سنويًا، وهو ما يعادل قرابة 10000 دينار تونسي إضافية وفق سعر الصرف.
وبعبارة أخرى، قد تصبح الكلفة السنوية الإجمالية للدراسة في فرنسا، بالنسبة إلى بعض العائلات التونسية، أعلى بأكثر من خمس عشرة مرة مقارنة بالنظام القديم.
قد يكون تأثير هذا الإصلاح قويًا بشكل خاص على تونس. فوفق بيانات «كامبوس فرانس» لسنة 2024-2025، يواصل نحو 15949 طالبًا تونسيًا دراستهم حاليًا في فرنسا.
ولا يزال المنحى في ارتفاع، إذ زاد عدد الطلبة التونسيين بنسبة 5% خلال سنة واحدة وبنسبة 22% خلال خمس سنوات. كما تُمنح في كل عودة جامعية بين 5000 و5500 تأشيرة دراسة جديدة لتونسيين.
والأهم أن تونس تحتل موقعًا خاصًا جدًا، إذ تُعد أول بلد في العالم من حيث نسبة الطلبة الموفدين إلى فرنسا مقارنة بعدد سكانه. أما من حيث القيمة المطلقة، فتحتل المرتبة السادسة بين بلدان منشأ الطلبة الأجانب في فرنسا، بعد المغرب والصين والجزائر وإيطاليا والسنغال.
لذلك، من المرجح أن يضرب هذا الإصلاح الفرنسي تونس بقوة أكبر من معظم البلدان الأخرى تقريبًا.
أثار المرسوم موجة احتجاج قوية داخل الوسط الجامعي الفرنسي. فقد نددت عدة نقابات طلابية ومنظمات مدافعة عن التعليم العالي بقرار وصفته بأنه «غير عادل» و«غير منسجم»، معتبرة أنه يضعف جاذبية الجامعات الفرنسية على المستوى الدولي.
ونُظمت مظاهرة شارك فيها مئات الأشخاص يوم 12 ماي، فيما وُجهت دعوة جديدة للتجمع يوم 26 ماي.
من جانبه، يتبنى إيمانويل ماكرون هذا التوجه بشكل واضح. وخلال زيارة إلى نيروبي يوم 12 ماي، قال الرئيس الفرنسي إن الدراسة في فرنسا لا يمكن أن تكون «مجانية للعالم بأسره»، وإن دافع الضرائب الفرنسي ليس مطالبًا بـ«دفع تكاليف دراسة كل طلبة العالم، أيًا كان البلد الذي قدموا منه». غير أن الرئيس أكد في المقابل أن فرنسا ستواصل مرافقة «المواهب المختارة» من قبل الجامعات، التي يمكنها أن تقرر عدم تطبيق هذه المعاليم عليهم.
لكن الانتقال من إعفاء شبه شامل اليوم إلى سقف لا يتجاوز 20% يغير المعادلة جذريًا بالنسبة إلى الغالبية الكبرى من الطلبة.
بعيدًا عن الجدل السياسي الفرنسي، يطرح هذا الإصلاح سؤالًا ملموسًا جدًا أمام آلاف العائلات التونسية. فمنذ عقود، كانت الجامعات الفرنسية تمثل مسارًا متاحًا نسبيًا للارتقاء الاجتماعي والتنقل الدولي والتكوين عالي المستوى.
لكن في ظرفية تتسم بقدرة شرائية تحت الضغط، ودينار ضعيف أمام اليورو، وارتفاع كلفة المعيشة على ضفتي المتوسط، أصبح هذا النموذج أكثر صعوبة من حيث القدرة على تحمله.
وبالنسبة إلى عدد كبير من العائلات التونسية من الطبقات الوسطى، قد تدفع الزيادة في المعاليم الجامعية الفرنسية إلى التفكير في وجهات أخرى، مثل ألمانيا وكندا وأوروبا الشرقية أو دول الخليج، بل قد تجعل مشروع الدراسة في الخارج غير متاح تمامًا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية