آخر الأخبار

تعبئة فلاحية شاملة : تونس تدعم منظومات الأمن الغذائي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

اتخذت تونس خطوة جديدة في اتجاه ترسيخ السيادة الغذائية عبر انعقاد مجلس وزاري مضيّق أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، خُصّص لمتابعة موسم الحصاد وتجميع الحبوب والاستعدادات للموسم الفلاحي 2026/2027. ويعكس هذا الاجتماع إدراكًا متزايدًا لطبيعة الرهانات الاقتصادية المرتبطة بالقطاع الفلاحي، الذي يُعد أحد أعمدة التوازنات الخارجية والأمن الغذائي في بلد يستورد جزءًا مهمًا من حاجياته من الحبوب.

وأقرت الحكومة الإبقاء على أسعار قبول صابة الحبوب ذاتها للموسم الفارط، مع تمويل الصابة بضمان الدولة، في إشارة إلى التزام واضح بدعم دخل الفلاحين والحفاظ على استقرار الحلقة الإنتاجية. كما تقرر تكثيف البرنامج الخصوصي لتعديل آلات الحصاد ليشمل 1300 آلة حاصدة، بما يحدّ من ضياع المحاصيل ويعزز الإنتاجية في لحظة دقيقة من الموسم الفلاحي، خاصة في ظل التقلبات المناخية وارتفاع مخاطر الحرائق.

رفع كفاءة منظومة التجميع والخزن

عززت سلطات الاشراف، من خلال هذه القرارات، البعد اللوجستي باعتباره عنصرا حاسما في معادلة الأمن الغذائي إذ تقرر دعم طاقات الخزن وتخصيص فضاءات إضافية لتخزين الشعير، إلى جانب ضبط برنامج الإجلاء وفق تقديرات الكميات المزمع تجميعها. ويبرز في هذا السياق الدور المتزايد للشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية في منظومة نقل الحبوب، بما يخفف الضغط على النقل البري ويحسن كفاءة سلاسل الإمداد.

كما تقرر تشديد المراقبة على مراكز التجميع منذ انطلاق الموسم ومتابعة تأهيلها، في خطوة تهدف إلى تقليص الفاقد بعد الحصاد، الذي يُعد أحد التحديات الهيكلية في الاقتصادات الفلاحية. وتم في السياق ذاته المصادقة على 26 مخبرا لتحليل الحبوب، بما يضمن تحسين جودة التقييم الفني للصابة وتعزيز الشفافية في منظومة التثمين.

هذا ودعمت الحكومة الجانب الوقائي عبر اعتماد حزمة إجراءات لتقليص مخاطر الحرائق، تشمل صيانة آلات الحصاد والجرارات والتثبت من جاهزيتها وتجهيزها بوسائل الإطفاء. ويأتي ذلك في وضع يتسم بارتفاع درجات المخاطر المناخية في منطقة المتوسط، حيث تؤثر موجات الحر والجفاف بشكل مباشر على الإنتاج الفلاحي وكلفة الاستغلال.

وأكدت المقاربة الحكومية على ضرورة الانتقال من التدخل الظرفي إلى التخطيط الاستباقي، من خلال إعداد مخططات دقيقة وتعبئة الموارد البشرية واللوجستية لحماية المحاصيل. ويعكس هذا التوجه تحولًا تدريجيًا نحو إدارة مخاطر فلاحية أكثر احترافية ترتبط مباشرة باستقرار الناتج الفلاحي الإجمالي.

تأمين مدخلات الإنتاج وتثبيت الأسعار

في اطار نفس التوجه، أطلقت الحكومة برنامجًا لتكوين مخزونات من الأسمدة الكيميائية لضمان تغطية حاجيات الموسم الفلاحي 2026/2027، مع الإبقاء على نفس الأسعار الحالية، في إطار الدور الاجتماعي للدولة. ويُعد هذا القرار ذا بعد اقتصادي كلي مباشر، حيث يساهم في كبح كلفة الإنتاج الزراعي وبالتالي الحد من الضغوط التضخمية على أسعار الغذاء.

كما تقرر تسهيل إجراءات تمويل الموسم الفلاحي وضمان التوزيع العادل للأسمدة، مع تمكين المتدخلين من النفاذ إلى المنظومة المعلوماتية “Engrais”، في خطوة تعكس تسارع رقمنة القطاع الفلاحي وربطه بمنطق الحوكمة الذكية لسلاسل القيمة.

وتندرج هذه الإجراءات ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تحسين إنتاجية الزراعة التونسية، التي تمثل بين 10 و12 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتشغل نسبة معتبرة من اليد العاملة في المناطق الداخلية، ما يجعلها قطاعا اجتماعيا بامتياز إضافة إلى بعدها الاقتصادي.

تعزيز البذور المحلية والبحث العلمي

أكدت المعطيات المقدمة خلال المجلس أن كميات البذور المثبتة الموزعة بلغت حوالي 524 ألف قنطار، أي ما يمثل 30 بالمائة من حاجيات البذور، مقابل 265 ألف قنطار خلال الموسم 2024/2025. ويعكس هذا التطور قفزة نوعية في دعم المدخلات الأساسية للإنتاج، بما يحدّ من التبعية للخارج ويعزز القدرة الذاتية على الإنتاج.

كما أبرزت البيانات ارتفاع استعمال البذور المثبتة من أصناف جديدة مستنبطة محليًا من قبل معهد البحوث الزراعية بتونس، على غرار أصناف “انرات 100” و“قدس” و“مكتاريس”، وهو ما يعكس تقدما في ربط البحث العلمي بالإنتاج الفلاحي، وتطوير قدرة تونس على الابتكار الزراعي.

وأكدت رئيسة الحكومة أن القطاع الفلاحي يمثل قاطرة للنمو الاقتصادي وأولوية استراتيجية للدولة، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق السيادة الغذائية التي تُعد جزءًا من الأمن القومي. ويعكس هذا التوجه تحوّلًا في مقاربة الدولة التي باتت تنظر إلى الفلاحة ليس فقط كقطاع اجتماعي، بل كعنصر مركزي في الاستقرار الاقتصادي الكلي.

هذا وجرت الدعوة إلى توفير البذور المحلية والأسمدة في مختلف الجهات، مع تعزيز التنسيق بين الوزارات والجهات وتكثيف المراقبة الميدانية، بما يضمن نجاح موسم الحصاد والتجميع والخزن. كما تم التشديد على أهمية التواصل المباشر مع الفلاحين لتذليل الصعوبات وتحسين نجاعة التدخل العمومي.

وقدّم كاتب الدولة المكلف بالمياه عرضًا أبرز فيه التقدم المحقق في منظومة الإنتاج، مشيرًا إلى تطور ملحوظ في نسب البذور المثبتة ودور البحث الزراعي الوطني في تحسين الأصناف. كما عرض وزير التجهيز والإسكان والمكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة الإجراءات المتعلقة بضمان توفر الأسمدة بالكميات المطلوبة، ما يعكس تداخل السياسة الصناعية مع السياسة الفلاحية في إطار مقاربة اقتصادية شاملة.

تشير هذه الحزمة من القرارات إلى أن تونس تتجه نحو إعادة تطوير قطاعها الفلاحي على أسس أكثر كفاءة واستدامة، عبر الجمع بين الدعم العمومي، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز البحث العلمي، وتحسين سلاسل القيمة. وفي سياق عالمي يتسم بتقلب أسعار الغذاء والطاقة، تبرز أهمية هذه السياسات في حماية التوازنات الاقتصادية والحد من الهشاشة الغذائية.

وتؤكد هذه الديناميكية أن نجاح المواسم الفلاحية الكبرى لم يعد مسألة قطاعية فحسب، بل أصبح شرطًا أساسيًا للاستقرار الاقتصادي الكلي، وضمان قدرة الدولة على التحكم في تضخم الغذاء، وتحسين ميزان المدفوعات، وتعزيز السيادة الاقتصادية على المدى المتوسط.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا