سيتم الاحتفال بعيد الأضحى هذا العام في تونس يوم الأربعاء 27 ماي 2026. وبالنسبة إلى آلاف العائلات، يعني ذلك انطلاق رحلات مكثفة نحو ولايات الداخل، والمدن الساحلية، والقرى الأصلية، والمنازل العائلية.
لكن تنقلات هذا العام ستتم في ظل وضع جوي يفرض درجة خاصة من اليقظة: سماء صافية عمومًا، وحرارة جافة، في حدود 30 درجة مئوية في تونس العاصمة يوم العيد، وقد تصل إلى ما بين 31 و33 درجة في عدة مناطق داخلية يوم الخميس، وهو موعد قد يشهد بداية عودة العديد من العائلات.
الخطر الرئيسي لن يكون إذًا في الطرقات المبللة، بل في مزيج أكثر خفاءً يتمثل في الطرقات المكتظة، والتعب، والحرارة، والسرعة، والتشتت. وهذا تحديدًا ما يجعل التنقلات الكبرى خلال العيد حساسة: فالكثيرون يسافرون رفقة العائلة، في سيارة محمّلة، بعد أيام من التحضيرات، وأحيانًا على محاور مرورية مكتظة وتحت درجات حرارة مرتفعة.
وفقًا للمرصد الوطني لسلامة المرور، تشير المعطيات الأولية المحينة إلى غاية 5 أفريل 2026 إلى تسجيل 303 وفيات على الطرقات التونسية، مقابل 281 وفاة خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة قدرها 7.83%. وفي المقابل، تراجع عدد الحوادث بنسبة 30.23%، من 1482 إلى 1034 حادثًا، كما انخفض عدد الجرحى بنسبة 29.30%، من 1911 إلى 1351 جريحًا.
هذه المفارقة أساسية: عدد الحوادث أقل، لكنها أصبحت أكثر فتكًا. بمعنى آخر، هامش الخطأ بات أضيق. وتتصدر السرعة المفرطة أسباب الوفيات المرورية بـ111 وفاة، أي ما يعادل 36.63% من مجموع القتلى. ويأتي التشتت في المرتبة التالية بـ43 وفاة. فالتشتت يتسبب في عدد كبير من الحوادث، أما السرعة فتحوّل الحادث، في كثير من الأحيان، إلى مأساة.
نادراً ما تبدأ تنقلات العيد في هدوء. مشتريات، تحضيرات، تنظيم عائلي، تحميل السيارة، اتصالات أخيرة وتأخر في الانطلاق؛ كل ذلك يجعل العديد من السائقين يأخذون الطريق وهم مرهقون مسبقًا.
و التعب لا يظهر فقط في شكل نعاس. بل يبدأ بانخفاض الانتباه، وثبات النظر، وبطء رد الفعل، وكثرة الرمش، والميل إلى الاقتراب من السيارة الأمامية أو تصحيح المسار في وقت متأخر. وعلى سرعة 90 أو 110 كلم/س، تكفي بضع ثوانٍ من الغفلة لوقوع الخطر.
و يبقى التصرف الأبسط هو الأكثر فعالية: النوم بشكل كاف قبل الانطلاق، وتجنب القيادة بعد ليلة قصيرة جدًا، والتوقف الحقيقي كل ساعتين. والتوقف الحقيقي لا يعني فقط التزود بالوقود أو شراء قارورة ماء، بل النزول من السيارة، والمشي لدقائق، وشرب الماء، وترك الأطفال يتحركون قليلًا، ثم استئناف الرحلة بذهن أكثر صفاءً.
خلال العيد، قد يتحول الضغط العائلي إلى سباق ضد الوقت: الوصول قبل الغداء، أو الالتحاق بالأقارب قبل الصلاة، أو تفادي الاكتظاظ، أو عدم ترك العائلة تنتظر.
لكن في رحلة تمتد على 150 أو 200 كلم، لا تتيح السرعة الزائدة عادة ربح وقت كبير. في المقابل، ترفع بشكل كبير مسافة الفرملة وتقلص قدرة السائق على رد الفعل. وهذا بالضبط ما يجعل السرعة قاتلة: فعندما يقع الخطأ، تترك فرصة ضئيلة للسائق والركاب وبقية مستعملي الطريق.
و تؤكد أرقام المرصد الوطني لسلامة المرور ذلك بوضوح: السرعة المفرطة هي السبب الأول للوفيات على الطرقات في تونس. وخلال التنقلات الكبرى، فإن القبول بالسير بسرعة أقل ليس خسارة للوقت، بل إجراء وقائي.
الخطر الكبير الآخر يتمثل في الهاتف. خلال العيد، تتضاعف المكالمات والرسائل: «أين وصلتم؟»، «متى تصلون؟»، «أي طريق ستسلكون؟». فيجيب السائق، أو ينظر إلى إشعار، أو يتفقد المسار، أو يرسل رسالة صوتية. هذا التصرف العادي يصبح خطيرًا بمجرد أن يصرف النظر عن الطريق.
و يعد التشتت من الأسباب الرئيسية للحوادث. وحتى عندما لا يكون قاتلًا بقدر السرعة، فإنه يتسبب في مواقف خطيرة عديدة: فرملة متأخرة، تغيير مسار غير محكم، نسيان مسافة الأمان، أو الخروج عن المسار.
لذلك يجب ضبط الهاتف قبل الانطلاق: تشغيل المسار، تثبيت الحامل، وضبط الصوت. وبعد ذلك، يمكن لأحد الركاب تولي الرد على المكالمات. أما إذا كان السائق بمفرده، فالأفضل التوقف لبضع دقائق بدل الرد أثناء القيادة.
يفرض طقس هذا العيد يقظة خاصة. فالسماء الصافية توفر ظروف رؤية جيدة، لكن الحرارة قد تسرّع تعب السائق، وتزيد توتر الركاب، وترفع خطر الجفاف. ويصبح الخطر أوضح خلال رحلات العودة، عندما يجتمع التعب العائلي مع درجات حرارة أعلى في داخل البلاد.
قبل الانطلاق، تصبح بعض التثبتات ضرورية: ضغط الإطارات، مستوى الماء، الزيت، حالة البطارية، المكيف، والعجلة الاحتياطية. فالحرارة تكشف نقاط الضعف الميكانيكية. وقد يحوّل إطار غير منفوخ جيدًا، أو محرك مرهق، أو مكيف معطل، الرحلة إلى عطب على قارعة الطريق.
داخل السيارة، يجب أن يكون الماء متاحًا، خاصة للأطفال وكبار السن. كما لا يجب أبدًا ترك طفل أو شخص مسن أو حيوان داخل سيارة متوقفة، حتى لبضع دقائق. فتحت أشعة الشمس، ترتفع الحرارة داخل السيارة بسرعة كبيرة.
تتركز التنقلات الكبرى خلال العيد بشكل طبيعي على عدد من المحاور. ويُعد الطريق السيارة A1، في اتجاه الحمامات وسوسة وصفاقس ثم الجنوب، أحد أبرز مسارات التنقل. كما قد تشهد مخارج تونس الكبرى، خاصة في اتجاه الوطن القبلي والساحل ووسط البلاد، حركة مرورية كثيفة.
و تستوجب الطرقات المؤدية إلى القيروان وسيدي بوزيد والقصرين وقفصة وقابس ومدنين وتطاوين اهتمامًا خاصًا، خصوصًا عندما تتداخل فيها الطرقات السريعة مع الطرقات الوطنية، وعبور المناطق السكنية، والمقاطع الأقل إنارة. وعلى هذه المسارات، لا يأتي الخطر من السرعة فقط، بل أيضًا من التجاوز، والدراجات ذات العجلتين، والمترجلين، والعربات الفلاحية، والتوقفات المفاجئة، وحركة المرور المحلية.
و عند الاقتراب من القرى والأسواق والمناطق السكنية، يجب تخفيض السرعة قبل أن يصبح الخطر مرئيًا. فخلال العيد، تتقاطع حركة الأطفال والدراجات النارية وسيارات الأجرة الجماعية والسيارات العائلية أكثر من المعتاد.
تشبه رحلات العيد أحيانًا عملية انتقال صغيرة: حقائب، هدايا، ملابس، أطعمة، ألعاب، مبردات، وعربات أطفال. لكن السيارة المحملة أكثر من اللازم تتراجع قدرتها على الفرملة، وتصبح أقل ثباتًا على الطريق، وأكثر صعوبة في التحكم عند القيام بمناورة مفاجئة.
يجب وضع الأغراض الثقيلة في الصندوق، وفي أدنى مستوى ممكن. ولا ينبغي أن يعيق أي شيء الرؤية الخلفية. كما لا يجب ترك أي أمتعة حرة داخل المقصورة، لأنها قد تصبح خطيرة عند الفرملة. ويجب ربط الأطفال بشكل صحيح، حتى في الرحلات القصيرة.
فالطرقات «المعروفة» تكون أحيانًا الأكثر خداعًا، تحديدًا لأن السائق يسمح لنفسه فيها بالتراخي.
غالبًا ما تكون رحلة العودة أكثر خطورة من الذهاب. ففي الذهاب، تدعم طاقة اللقاءات وحماسها السائق. أما في العودة، فتتراكم آثار الوجبات، وقلة النوم، والزيارات، وتعب الأطفال، والحرارة، والعودة إلى العمل.
و قد تتزامن العودة هذا العام مع الأيام الأكثر حرارة خلال الفترة. وهذا ليس الوقت المناسب للارتجال. يجب إعداد العودة كما لو كانت رحلة جديدة: النوم قبل الانطلاق، وتجنب القيادة مباشرة بعد وجبة ثقيلة، وتوفير الماء، والتثبت من السيارة، وقبول تأجيل الانطلاق إذا كان التعب شديدًا.
و يستوجب الثلث الأخير من الرحلة يقظة خاصة. ففي كثير من الأحيان، ينخفض الانتباه عندما يعتقد السائق أنه أوشك على الوصول. والحال أن الكيلومترات الأخيرة قد تكون الأكثر خطورة: طرقات فرعية، حركة محلية، تعب متراكم، ورغبة في إنهاء الرحلة بسرعة.
تمثل تنقلات العيد جزءًا من الذاكرة العائلية التونسية. فهي تعبر عن الرابط بالأهل، والجهات، والقرى، ومنازل الطفولة. لكن هذه الأبعاد العاطفية لا يجب أن تطغى أبدًا على مسؤولية الطريق.
رسالة هذا العام بسيطة: الطقس مناسب عمومًا، لكن الحرارة والتعب والسرعة والتشتت تقلص هامش الخطأ. وتذكر المعطيات الأولية للمرصد الوطني لسلامة المرور بحقيقة قاسية: الطريق في تونس ما زال يقتل يوميًا.
الانطلاق في حالة راحة، والقيادة بهدوء، وتجنب الهاتف، والتوقف بانتظام، وشرب الماء، وقبول الوصول في وقت متأخر، ليست مجرد نصائح. إنها تصرفات تجعل العيد يبقى كما ينبغي أن يكون: مناسبة للقاء العائلي، لا مأساة على الطريق.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية