كشفت تونس، نهاية الأسبوع الماضي، عن النسخة الثالثة من مساهماتها المحددة وطنيا، في خطوة تعكس تحولا متسارعا في مقاربة الدولة للرهانات المناخية، باعتبارها قضية بيئية وملفا اقتصاديا كليا يرتبط مباشرة بمستقبل النمو والاستقرار المالي والاجتماعي والأمن الغذائي.
تضع هذه الخارطة الجديدة أهدافا تمتد إلى أفق 2035، مع تعبئة استثمارات وتمويلات تناهز 55 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 161,3 مليار دينار، بهدف تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على التكيف مع التغيرات المناخية وخفض الانبعاثات الكربونية .
وتأتي هذه الاستراتيجية في سياق دولي يتسم بتصاعد الضغوط المناخية وتزايد الكلفة الاقتصادية للكوارث البيئية، خاصة بالنسبة للدول المتوسطية التي تصنف ضمن أكثر المناطق تعرضا للإجهاد المائي وارتفاع درجات الحرارة. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن منطقة شمال إفريقيا قد تخسر ما بين 4 و6 بالمائة من ناتجها الداخلي الخام بحلول 2050 إذا لم يتم تسريع الاستثمارات المناخية وبرامج التكيف .
انكماش اقتصادي محتمل بسبب أزمة المياه
حذرت الوثيقة الجديدة، التي كانت محور نقاش خلال ندوة انتظمت يومي 16 و17 ماي 2026 بالعاصمة، من أن الاقتصاد الوطني قد يواجه انكماشا بنسبة 3,4 بالمائة بحلول سنة 2030 في حال استمرار هشاشة البنية المائية وتصاعد مخاطر الفيضانات والجفاف. كما نبهت إلى أن القطاع الفلاحي، الذي يشغل نحو 15 بالمائة من اليد العاملة ويساهم بحوالي 10 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، قد يفقد ما يصل إلى 15 بالمائة من قيمته المضافة خلال السنوات المقبلة إذا لم يتم تحديث المنظومات الإنتاجية الحالية .
وتعكس هذه التقديرات حجم الترابط بين المناخ والأداء الاقتصادي في البلاد، خاصة وأنها سجلت خلال السنوات الأخيرة واحدا من أدنى معدلات التساقطات منذ عقود، مقابل تراجع حاد في مخزون السدود وارتفاع الطلب على المياه. وتفيد بيانات رسمية بأن حصة الفرد من الموارد المائية تراجعت إلى أقل من 420 مترا مكعبا سنويا، مقابل أكثر من ألف متر مكعب في ستينات القرن الماضي، وهو مستوى يضع تونس ضمن خانة الفقر المائي الحاد وفق المعايير الدولية .
في ذات السياق، ركزت سلطات الاشراف ضمن استراتيجيتها الجديدة على تأمين الموارد المائية باعتباره شرطا أساسيا لاستدامة النمو الاقتصادي وحماية الاستقرار الاجتماعي. ولهذا الغرض، تستهدف الخطة رفع طاقة تحلية مياه البحر إلى 265 مليون متر مكعب سنويا بحلول 2035، مقارنة بمستويات أدنى بكثير حاليا، مع التوسع في مشاريع التحلية بالساحل والجنوب والمناطق الصناعية والسياحية .
وتسعى الدولة كذلك إلى رفع نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة في النشاط الفلاحي إلى 50 بالمائة بحلول 2035، مقابل 6 بالمائة فقط سنة 2022، بما يسمح بتخفيف الضغط على الموائد المائية والسدود. وتنسجم هذه التوجهات مع الاستراتيجية الوطنية للمياه في أفق 2050، والتي تضع تنويع الموارد غير التقليدية في صدارة أولوياتها، خاصة مع توقع تراجع التساقطات المطرية بنسبة تتراوح بين 9 و12 بالمائة بحلول سنة 2050 .
نحو فلاحة أكثر قدرة على الصمود
تراهن تونس أيضا على إعادة هيكلة القطاع الفلاحي لمواجهة التقلبات المناخية، من خلال استصلاح 1,2 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، والتوسع في الزراعات المقاومة للجفاف، واعتماد أصناف من الأشجار القادرة على التكيف مع شح المياه بالنسبة إلى حوالي 40 بالمائة من الغراسات الجديدة .
ويكتسي هذا التوجه أهمية استراتيجية بالنظر إلى ارتفاع كلفة الواردات الغذائية وتزايد الضغوط على الميزان التجاري، فقد تجاوزت واردات الحبوب والطاقة خلال السنوات الأخيرة مستويات قياسية، وهو ما جعل مسألة الأمن الغذائي مرتبطة مباشرة بقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية وتقليص التبعية للأسواق الدولية .
هذا وتخصص الخطة المناخية الجديدة حوالي 53 بالمائة من إجمالي الاستثمارات لمشاريع التكيف مع التغيرات المناخية، مقابل 47 بالمائة لمشاريع خفض الانبعاثات. وتبلغ كلفة برامج التكيف نحو 29 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 85 مليار دينار، مع توجيه الجزء الأكبر منها إلى قطاع المياه والتطهير بقيمة 10,7 مليار دولار، يليه قطاع الفلاحة والأمن الغذائي بنحو 8 مليارات دولار .
أما مشاريع الحد من الانبعاثات، فتبلغ كلفتها حوالي 25 مليار دولار، يوجه 87 بالمائة منها إلى قطاع الطاقة، في إطار تسريع الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. وتستهدف تونس رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل ارتفاع فاتورة دعم الطاقة وتزايد عجز الميزان الطاقي .
وتتعهد الدولة بتغطية 26 بالمائة من التمويلات المطلوبة عبر الموارد الوطنية، في حين يبقى حوالي 74 بالمائة من الخطة مرتبطا بالتمويلات الدولية والشراكات المناخية متعددة الأطراف .
أدوات تمويل خضراء لجذب الاستثمارات
تعمل السلطات بالتوازي مع هذه الأهداف، على تطوير أدوات اقتصادية ومالية جديدة لدعم الاستثمار الأخضر. ومن أبرز هذه الآليات “التصنيف المناخي” الذي تم إطلاقه سنة 2025 لتحديد الأنشطة الاقتصادية المؤهلة للتمويل الأخضر وتوجيه المستثمرين نحو المشاريع منخفضة الكربون .
وتسعى تونس كذلك إلى الاستفادة من آليات المادة السادسة من اتفاق باريس للمناخ، والتي تسمح للدول بتبادل أرصدة الكربون وتسويق تخفيضات الانبعاثات، بما قد يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية إضافية في مجالات الطاقات النظيفة والنقل المستدام والاقتصاد الدائري .
وتتجه الحكومة أيضا إلى إدماج البعد المناخي مباشرة ضمن ميزانية الدولة ومخطط التنمية 2026-2030، في تحول يعكس انتقال السياسة المناخية من مستوى التعهدات البيئية إلى مستوى التخطيط الاقتصادي الكلي وإدارة المالية العمومية .
ورغم أن تونس لا تمثل سوى 0,07 بالمائة من الانبعاثات العالمية، فإنها تحاول التموضع كنموذج إقليمي لاقتصاد منخفض الكربون وأكثر قدرة على الصمود، مع توجيه رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الدول ذات الانبعاثات المحدودة تتحمل اليوم كلفة مناخية واقتصادية تفوق إمكانياتها التمويلية، مما يجعل دعمها ضرورة تنموية واستراتيجية تتجاوز البعد البيئي التقليدي .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية