أثار الرئيس دونالد ترامب جدلاً جديداً بعد اطّلاعه على المقترحات الـ14 التي قدّمتها إيران لطيّ صفحة الحرب. فقد أعلنت البيت الأبيض ما يلي: «لقد قرأت للتو ردّ ما يُسمّى بـ“ممثلي” إيران. لا يعجبني، إنه غير مقبول تماماً!». وردّت طهران على «ما يُسمّى بالرئيس الأمريكي» مؤكدة أن رغباته وخطوطه الحمراء لا تعنيها كثيراً، وأنه لن يتم إبرام أي اتفاق يضرّ بالمصالح الإيرانية. أما ردّ هذا الثلاثاء 12 ماي فكان أشدّ وقعاً…
أعلن النظام الإيراني أن خطته للسلام، وهي وفق واشنطن خطة حرب، لن تتغير قيد أنملة: إما قبولها كما هي أو رفضها. وكان ترامب قد أثار غضب خصومه حين وصف وثيقتهم بأنها صالحة «لرميها في سلة المهملات»، فجاء ردّهم على قدر الإهانة. وهكذا تعطّلت الآلة الدبلوماسية التي أطلقها باكستان بعد أول لقاء مباشر في إسلام آباد.
و قال كبير المفاوضين في الجمهورية الإسلامية ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، في تدوينة على منصة «إكس»: «لا خيار سوى الاعتراف بحقوق الشعب الإيراني كما وردت في المقترح المكوّن من 14 نقطة. أي نهج آخر سيكون غير مجدٍ ولن يؤدي إلا إلى سلسلة من الإخفاقات».
و خاطب الضابط السابق في الحرس الثوري والقائد السابق للقوات الجوية، وهو من صقور النظام، المفاوضين الأمريكيين قائلاً إنهم «كلما تباطؤوا أكثر، دفع دافعو الضرائب الأمريكيون ثمناً أكبر». وجاء تصريحه في خضم ارتفاع حاد لأسعار النفط في السوق العالمية، على خلفية الأنباء عن استئناف وشيك للضربات الأمريكية. كما صدرت أحدث أرقام التضخم في الولايات المتحدة، والتي جاءت في أسوأ مستوياتها منذ قرابة ثلاث سنوات.
و يُذكر أن ترامب، الذي لا يُعدّ الأفضل في خفض التصعيد وتقديم ضمانات الثقة، وجّه انتقادات حادة لإيران، قبل أن يقول إن وقف إطلاق النار الساري منذ 8 أفريل الماضي أشبه بمريض «على أجهزة التنفس الاصطناعي»، ولا تتجاوز فرص بقائه «1%». ومن الصعب اعتبار ذلك أسلوباً مناسباً لتهيئة ظروف التفاوض.
و لا تُعرف كل تفاصيل المقترح الأمريكي الذي رفضته طهران، غير أن وسائل إعلام سرّبت أنه يتضمن مذكرة تفاهم من صفحة واحدة لوقف الأعمال العدائية وتحديد إطار للحوار بشأن الملف النووي الإيراني.
أما المقترح المضاد الذي قدّمه الحرس الثوري فينص، وفق وزارة الخارجية، على وقف فوري للقتال في المنطقة، بما في ذلك في لبنان، وهي نقطة ليست جديدة، إلى جانب إنهاء الحصار الذي تفرضه البحرية الأمريكية على الموانئ الإيرانية. كما تطالب طهران برفع التجميد عن أصولها المصادرة في الخارج، وهو مطلب ليس جديداً أيضاً.
و أكد قاليباف، أمس الاثنين، أن إيران مستعدة تماماً «للرد وتلقين درس» في حال استئناف الضربات. والأسوأ بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل أن المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان لوّح بورقة تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، وهي العتبة اللازمة لإنتاج القنبلة النووية. وقال إبراهيم رضائي في رسالة نشرها على منصة «إكس»: «سندرس» هذا الملف في البرلمان.
و أمام هذا المأزق، لوّح ترامب، في اتصال هاتفي مع صحفي من قناة «فوكس نيوز»، باستئناف عملية حماية السفن من أجل كسر الإغلاق المفروض على مضيق هرمز. غير أن هذه العملية كانت قد توقفت سريعاً، إذ انتهت بعد 24 ساعة فقط من إطلاقها.
و كان الرئيس الجمهوري يتحدث عن «تقدم كبير» وعن هدنة لإعطاء فرصة للمفاوضات، لكن الواقع أن السعودية تمنعه من استخدام مجالها الجوي لقصف إيران. وتأتي هذه الانتكاسات قبل ساعات من زيارة ترامب إلى الصين، حيث سيصل غداً الأربعاء ويبقى هناك إلى غاية يوم الجمعة. وتقول الصحافة الأمريكية إنه «سيمارس ضغوطاً» على نظيره شي جين بينغ لدفع الإيرانيين إلى التراجع.
لكن هل يملك ترامب فعلاً وسائل لممارسة أي ضغط على بكين؟ من الواضح أن الجواب لا، خصوصاً أنه يصل أيضاً لطلب عقود لصالح شركة بوينغ، بعدما تجاهل الرئيس شي مؤخراً الشركة الأمريكية ومنح منافستها الأوروبية إيرباص صفقة ضخمة بقيمة 21.4 مليار دولار. وفي ظل تعثره على الجبهة الإيرانية، وهذا أقل ما يمكن قوله، إضافة إلى مشاكله الاقتصادية، يصل ترامب إلى الصين من موقع ضعف. لقد باع لناخبيه شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» (MAGA)، لكن ليست هذه أمريكا التي سنراها غداً.
و من المرجح أن تميل بكين إلى تركه يغرق أكثر في المستنقع الإيراني، حتى يستنزف أقصى ما يمكن قبل المعارك المقبلة، وفي مقدمتها تايوان. كما قد تسعى الصين إلى تحميل البيت الأبيض كلفة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، والذي يمنع مرور النفط. ويُذكر أن 80% من الإنتاج الإيراني يتجه إلى الصين.
و من الواضح أن ترامب أغلق المنافذ بهدف ضرب الطرف الوحيد الذي يثير قلقه فعلاً، أي بكين. وهذه الأخيرة ستكون حريصة على أن ترد للرئيس الجمهوري الصاع صاعين.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية