عقدت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، أمس الاثنين 11 ماي 2026، جلسة عمل خُصصت للاستماع إلى ممثلي المنظمة الوطنية لرواد الأعمال، وذلك في إطار النقاش المتواصل حول مراجعة المنظومة التشريعية والرقابية المنظمة للصرف في تونس.
وانعقدت الجلسة بحضور رئيس اللجنة ماهر الكتاري، ونائبه ظافر الصغيري، ومقررة اللجنة زينة جيب الله، إلى جانب النواب آمال المؤدب ومسعود قريرة وعلي زغدود ومحمد بن حسين، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وأكد ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال، في مستهل الجلسة، أن إصلاح مجلة الصرف لم يعد مجرد تعديل تقني أو مراجعة ظرفية لبعض الإجراءات الإدارية، بل أصبح خيارا استراتيجيا يرتبط بإعادة تموقع الاقتصاد التونسي داخل المنظومة الاقتصادية العالمية.
واعتبروا أن تونس مطالبة بالانتقال من نموذج اقتصادي قائم على الرقابة المسبقة والتقييد الإداري، إلى نموذج أكثر انفتاحا ومرونة وتنافسية، يقوم على تحفيز المبادرة الخاصة، واستقطاب الاستثمار، وتعزيز الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأوضح المتدخلون أن المنظومة الحالية للصرف تستند، في جزء كبير منها، إلى فلسفة تشريعية تعود إلى مراحل اقتصادية سابقة، اتسمت بالرقابة الصارمة على حركة الأموال والعملات الأجنبية.
وأشاروا إلى أن هذه المقاربة أصبحت محدودة النجاعة في ظل التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، خاصة مع تصاعد دور الاقتصاد اللامادي، وتنامي الخدمات الرقمية، وظهور أنماط جديدة من المبادلات التجارية والخدماتية العابرة للحدود.
وبيّن ممثلو المنظمة أن المؤسسات الناشئة ورواد الأعمال في تونس يواجهون صعوبات هيكلية مرتبطة بتعقيد إجراءات فتح الحسابات بالعملة الأجنبية، والحصول على تراخيص التحويلات المالية، والنفاذ إلى الخدمات البنكية الدولية.
واعتبروا أن هذه العراقيل تحد من قدرة المؤسسات التونسية على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وتطوير خدمات موجهة إلى الأسواق الخارجية، خاصة أن الاقتصاد الرقمي يقوم على سرعة التدفقات المالية، والتفاعل المباشر مع المنصات الدولية ومزودي الخدمات الرقمية.
وشدد ممثلو المنظمة على أن محدودية الإطار التشريعي والتنظيمي لوسائل الدفع الإلكتروني والمعاملات الرقمية الدولية تمثل أحد أبرز الإشكالات المطروحة أمام المؤسسات التونسية.
ودعوا إلى تطوير إطار قانوني حديث يسمح بتوسيع النفاذ إلى أدوات الدفع الدولية، وتبسيط استعمال المحافظ الرقمية والمنصات المالية الإلكترونية، مع اعتماد منظومة رقابية ذكية تقوم على التتبع الرقمي والتحليل المالي الآني، بدل الاقتصار على المقاربة الإجرائية التقليدية.
وأكد المتدخلون أن إصلاح مجلة الصرف يجب أن يقوم على فلسفة اقتصادية جديدة توازن بين متطلبات السيادة النقدية للدولة من جهة، وحاجيات الاستثمار والانفتاح الاقتصادي من جهة أخرى.
واعتبروا أن الاقتصادات الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على التحكم في التدفقات المالية، بل أيضا بقدرتها على خلق بيئة مؤسساتية مرنة، محفزة على الابتكار والاستثمار والإنتاج المعرفي والتكنولوجي.
وتناول النقاش منظومة العقوبات الخاصة بمخالفات الصرف، حيث اعتبر ممثلو المنظمة أن الطابع الزجري الصارم لبعض الأحكام الحالية يخلق مناخا من الحذر المفرط لدى المستثمرين ورواد الأعمال.
ودعوا إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على التدرج في العقوبات، وإرساء آليات للتسوية والامتثال الطوعي، وربط العقوبة بحجم الضرر الاقتصادي وطبيعة المخالفة ومدى وجود نية للتحيل أو التهرب.
وأكد ممثلو المنظمة أن مراجعة مجلة الصرف يمكن أن تمثل مدخلا لمعالجة عدد من الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها توسع الاقتصاد الموازي وضعف تدفق العملة الأجنبية.
كما دعوا إلى اعتماد إطار قانوني أكثر مرونة وشفافية، من شأنه تشجيع الفاعلين الاقتصاديين على الاندماج داخل الدورة الاقتصادية الرسمية، وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في مناخ الأعمال التونسي.
واستأثرت مسألة تحديد مفهوم “المقيم” و”غير المقيم” بحيز هام من النقاش، حيث أكد المتدخلون أن تعدد التعاريف القانونية واختلافها بين النصوص المنظمة للصرف والاستثمار والتشريع الجبائي والتجاري يخلق إشكالات عملية تمس الأمن القانوني للمستثمرين والمؤسسات.
ودعوا في هذا السياق إلى توحيد هذه المفاهيم داخل مختلف المنظومات القانونية ذات الصلة، بما يضمن وضوح المركز القانوني والمالي للأشخاص الطبيعيين والمعنويين، ويساهم في تبسيط الإجراءات وتفادي تضارب التأويلات القانونية والإدارية.
وقدم ممثلو المنظمة الوطنية لرواد الأعمال عددا من التصورات والمقترحات المرتبطة بمجال تدخل البنك المركزي، وآليات الحوكمة النقدية والتنظيمية لمنظومة الصرف، إضافة إلى مقترحات فنية تتعلق بالإجراءات التطبيقية وآليات الرقابة والتأطير المالي.
وتم التأكيد على أن لجنة المالية والميزانية ستتولى التعمق في هذه المقترحات ومناقشتها ضمن المحاور المتصلة باختصاص البنك المركزي وبقية الهياكل والمؤسسات المتدخلة في المنظومة النقدية والمالية.
وخلال النقاش، أكد عدد من النواب أن مشروع مجلة الصرف الجديدة يندرج ضمن مسار إصلاحي أوسع يهدف إلى تحديث المنظومة الاقتصادية والتشريعية للدولة، وتحقيق توازن بين الرقابة المالية والتحرير الاقتصادي التدريجي.
واعتبروا أن الانتقال من الرقابة القبلية إلى الرقابة البعدية يمثل تحولا نوعيا في فلسفة إدارة الشأن الاقتصادي، لأنه يكرس منطق الثقة في الفاعل الاقتصادي، ويمنح المؤسسات مرونة أكبر في اتخاذ القرار، مع الحفاظ على دور الدولة الرقابي عبر آليات التتبع والتقييم والمراقبة اللاحقة.
ودعا ممثلو المنظمة إلى التنصيص صراحة، ضمن مجلة الصرف الجديدة، على أحكام خاصة بالمؤسسات الناشئة والاقتصاد الرقمي، بما يضمن الاعتراف القانوني بخصوصية هذا القطاع واحتياجاته التشغيلية والمالية.
كما اقترحوا إدراج باب مستقل يتعلق بالتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الاقتصادية، باعتبار أن التشريع الاقتصادي الحديث لم يعد يقتصر على تنظيم المبادلات التقليدية، بل أصبح مطالبا بتأطير الاقتصاد الرقمي والفضاءات الافتراضية والأنشطة القائمة على البيانات والخوارزميات.
وفي السياق ذاته، تم التأكيد على أهمية استحداث إطار قانوني خاص بالجرائم الصرفية الرقمية، يتضمن تعريفا دقيقا للمخالفات المرتبطة بالتحويلات الإلكترونية والمعاملات الرقمية والفضاءات المالية الافتراضية، مع تطوير آليات قادرة على حماية الاقتصاد الوطني من الجرائم المالية السيبرانية دون تعطيل الابتكار أو الحد من تطور التكنولوجيا المالية.
كما أبرز ممثلو المنظمة أهمية البعد الإفريقي في إصلاح مجلة الصرف، معتبرين أن انفتاح تونس على الأسواق الإفريقية يمثل خيارا استراتيجيا في ظل التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية. ودعوا إلى تطوير آليات الدفع والتسوية المالية الإقليمية، وتسهيل المبادلات الاقتصادية مع الدول الإفريقية، بما يدعم تموقع تونس داخل الفضاء الاقتصادي الإفريقي.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن إصلاح مجلة الصرف يمثل أحد أبرز التحديات التشريعية والاقتصادية المطروحة في المرحلة الحالية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمستقبل النمو الاقتصادي والاستثمار والتحول الرقمي والسيادة المالية للدولة.
كما تم التشديد على أن نجاح هذا الإصلاح يبقى رهين اعتماد مقاربة تشاركية تجمع بين الدولة والسلطة التشريعية والخبراء والفاعلين الاقتصاديين، بما يسمح بصياغة منظومة قانونية عصرية ومتوازنة، تستجيب لمتطلبات الاقتصاد العالمي وتحافظ في الوقت ذاته على التوازنات المالية والاقتصادية الوطنية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية