تتسارع التحولات الطاقية العالمية بوتيرة غير مسبوقة مع سعي أوروبا إلى بلوغ الحياد الكربوني بحلول سنة 2050، وهو ما دفع بالهيدروجين الأخضر إلى واجهة الاستثمارات الاستراتيجية باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة المستقبلية.
وفي هذا السياق، تبرز تونس كأحد أبرز المواقع المرشحة للتحول إلى منصة إقليمية لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا، مستفيدة من موقعها الجيوستراتيجي وقربها الجغرافي من السوق الأوروبية، إضافة إلى إمكاناتها الطبيعية والبشرية واللوجستية.
وتستند الرؤية التونسية إلى إمكانية ربط مناطق الإنتاج بالجنوب الشرقي، خاصة بين قابس وجرجيس وبنقردان، بشبكات النقل الأوروبية عبر أنابيب الغاز الحالية والمبرمجة، وفي مقدمتها الأنبوب الرابط بين الهوارية وصقلية، إلى جانب مشروع “الممر الجنوبي للهيدروجين” الذي تراهن عليه أوروبا ليكون شريانها الطاقي الجديد انطلاقا من شمال إفريقيا.
خارطة الطريق الوطنية للهيدروجين الأخضر
ترسم خارطة الطريق الوطنية للهيدروجين الأخضر ومشتقاته للفترة 2025-2050، التي نشرتها وزارة الصناعة والطاقة والمناجم في ماي 2024، أهدافا طموحة تقوم على إنتاج نحو 8.3 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر بحلول سنة 2050، منها حوالي 6 ملايين طن موجهة للتصدير نحو أوروبا عبر الأنابيب، وأكثر من مليوني طن للسوق المحلية أو للتصدير في شكل مشتقات صناعية مثل الأمونيا الخضراء والميثانول.
وتفرض هذه الأهداف تعبئة استثمارات ضخمة في الطاقات المتجددة، إذ تتطلب القدرة الإنتاجية المستهدفة توفير نحو 100 جيغاواط من الكهرباء المتأتية من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو مستوى يفوق بأضعاف القدرة الكهربائية الحالية المركزة في تونس. كما تقدر الخارطة التشغيلية للمشروع إمكانية توفير حوالي 434 ألف موطن شغل مباشر وغير مباشر، بما يجعل المشروع أحد أكبر المشاريع الاقتصادية والصناعية في تاريخ البلاد الحديث.
في جانب اخر، يفرض الإجهاد المائي الحاد الذي تعيشه تونس اعتماد مياه البحر كمصدر أساسي لإنتاج الهيدروجين الأخضر. وتحتاج عملية التحليل الكهربائي إلى مياه فائقة النقاء، في حين قد تبلغ الحاجيات السنوية حوالي 250 مليون متر مكعب من المياه عند بلوغ الطاقة القصوى للإنتاج سنة 2050. وتأتي هذه المعطيات في وقت تجاوزت فيه نسبة استغلال الموارد المائية الجوفية 139% سنة 2022، مع سحب يفوق 3 مليارات متر مكعب سنويا عبر الآبار المرخصة وغير المرخصة، مما يجعل أي اعتماد على المياه الجوفية خيارا غير قابل للاستدامة اقتصاديا وبيئيا.
وتستوجب عملية تحلية مياه البحر استهلاكا مرتفعا للطاقة، سواء لتحلية المياه عبر تقنية التناضح العكسي أو لإنتاج المياه المنزوعة الأيونات الضرورية لعمليات التحليل الكهربائي. وفي المقابل، تفتح هذه الاستثمارات المجال أمام تطوير البنية التحتية لتحلية المياه ودعم الأمن المائي الوطني، عبر تخصيص جزء من المياه المحلاة لفائدة الاستهلاك المنزلي ومياه الشرب.
تونس توفر أفضلية تنافسية في الطاقات المتجددة
تستند الجدوى الاقتصادية للهيدروجين الأخضر في تونس إلى انخفاض كلفة إنتاج الكهرباء المتجددة مقارنة بأوروبا. وتسجل ولايات الجنوب ما بين 3200 و3400 ساعة إشعاع شمسي سنويا، أي ما يعادل تقريبا ضعف المعدلات المسجلة في مدن أوروبية مثل ميونيخ الألمانية.
وتوفر هذه الخصائص الطبيعية، إلى جانب إمكانات استغلال الرياح بسلسلة جبال الظاهر، قدرة تنافسية عالية لإنتاج الكهرباء منخفضة الكلفة، وهو عنصر حاسم لأن الطاقة تمثل ما بين 60 و70% من كلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر عالميا وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة. كما يكتسب الهيدروجين أهمية إضافية بسبب انخفاض كلفة نقله مقارنة بالنقل المباشر للكهرباء، إذ تشير التقديرات إلى أن نقل الهيدروجين أقل تكلفة بنحو 12 مرة، فضلا عن قدرته العالية على التخزين وإمكانية استخدامه في قطاعات النقل والصناعة الثقيلة والتدفئة وإنتاج الكهرباء.
هذا وتفرض مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر تحديات بيئية وتقنية دقيقة، خاصة في ما يتعلق بتحلية مياه البحر وتصريف المحلول الملحي عالي التركيز. فعمليات التحلية تسمح باستخراج حوالي 50% من المياه النقية، مقابل إعادة تصريف 50% من المياه المالحة التي قد تصل ملوحتها إلى 75 غراما في اللتر، وهو ما قد يؤثر على التوازن البيئي البحري إذا لم تتم إدارة عمليات التصريف وفق معايير دقيقة.
وتبرز السواحل الجنوبية الشرقية لتونس كأحد أفضل المواقع الممكنة لتخفيف هذه المخاطر، بفضل التيارات البحرية القوية التي تساعد على تسريع اختلاط المياه المالحة بمياه البحر. وفي المقابل، تستوجب مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين تعبئة مساحات شاسعة قد تمتد إلى عشرات الكيلومترات المربعة لتركيز الألواح الشمسية وتوربينات الرياح ومحطات التحليل الكهربائي والتخزين. كما تتطلب عمليات التخزين مستويات عالية من السلامة التقنية، خصوصا مع إمكانية بلوغ ضغط الهيدروجين نحو 700 إلى 900 بار.
تنويع الخيارات
يفرض التحول الطاقي العالمي على تونس اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على تنويع مصادر الطاقة بدل التخلي السريع عن الطاقات الأحفورية، فرغم تراجع الإنتاج الوطني من النفط والغاز خلال السنوات الأخيرة، مثل تطوير حقل “نوارة” بالجنوب خطوة مهمة، باعتباره يوفر أكثر من 30% من الإنتاج السنوي الوطني للغاز الطبيعي. كما تواصل عدة حقول أخرى، مثل ميسكار والشرقي وصدر بعل وصبرية وغريب، دعم التوازن الطاقي الوطني، في وقت تعتمد فيه تونس أيضا على الإمدادات الجزائرية لتغطية جزء من حاجياتها.
وتدفع اعتبارات الأمن الطاقي إلى مواصلة الاستثمار في الاستكشاف التقليدي وغير التقليدي، خاصة مع التقديرات التي تشير إلى امتلاك تونس احتياطيات قابلة للاستخراج تناهز 1.2 مليار برميل من النفط الصخري و23 تريليون قدم مكعب من الغاز الصخري.
من هنا، تفرض مشاريع الهيدروجين الأخضر على تونس الانتقال من مجرد بلد عبور للطاقة إلى فاعل صناعي واستراتيجي في الاقتصاد الأخضر العالمي. ويظل نجاح هذا التحول مرتبطا بقدرة البلاد على تنويع شراكاتها الدولية، وتثمين كفاءاتها الوطنية، وتحسين شروط التفاوض مع المستثمرين، إلى جانب الاستثمار المكثف في البحث العلمي والتكوين العالي ونقل التكنولوجيا، خاصة في مجالي المياه والطاقة.
وفي ظل احتدام المنافسة العالمية على أسواق الطاقة النظيفة، تبدو تونس أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نموذجها الطاقي والاقتصادي على أسس أكثر استدامة وقدرة على خلق الثروة والتشغيل وتعزيز الس
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية