آخر الأخبار

الإعفاء الجمركي الصيني وإعادة تشكيل التوازنات الخارجية التونسية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تُدشّن الصين منذ مطلع ماي 2026 مرحلة جديدة في علاقاتها الاقتصادية مع إفريقيا عبر تطبيق إعفاء جمركي كامل على وارداتها من 53 دولة إفريقية من بينها تونس، في توسّع لسياسة دخلت حيّز التنفيذ منذ 1 ديسمبر 2024 لفائدة 33 دولة من أقل البلدان نموًا.

وتُوسّع هذه المبادرة، التي تشمل 20 دولة إضافية غير مصنّفة ضمن هذه الفئة، نطاق الاستفادة بمنح إعفاء جمركي كامل لمدة عامين، في خطوة أحادية الجانب تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في مقاربة بكين لشراكاتها التجارية مع القارة. وتُترجم هذه السياسة عمليًا توجّهًا صينيًا لتعزيز الطلب على المنتجات الإفريقية في سياق دولي يتسم بتباطؤ النمو العالمي وعودة النزعات الحمائية، حيث لم يتجاوز نمو التجارة العالمية 2.6% في 2025 وفق تقديرات دولية، مقابل مستويات أعلى قبل الجائحة .

تعميقُ الشراكة في سياق التوازنات الكلية

يُعيد هذا القرار تموقع العلاقات الاقتصادية التونسية–الصينية ضمن منظور اقتصادي كلي أوسع، إذ تُعد الصين الشريك التجاري الأول لإفريقيا بحجم تبادل يتجاوز 280 مليار دولار سنويًا، فيما تبقى المبادلات مع تونس محدودة نسبيًا ومختلة هيكليًا لصالح الصين. وتُظهر البيانات أن العجز التجاري التونسي مع الصين يُقدّر بعدة مليارات من الدولارات سنويًا، في ظل تركّز الواردات في المعدات والمنتجات الصناعية مقابل ضعف الصادرات.

ويُنتظر أن يساهم الإعفاء الجمركي في تقليص هذا الاختلال تدريجيًا، شريطة قدرة تونس على تعبئة عرض تصديري تنافسي وتنويع قاعدته. ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة في ظل حاجة الاقتصاد التونسي إلى تحسين ميزان المدفوعات، حيث يتجاوز عجز الحساب الجاري 7% من الناتج الداخلي الخام في بعض السنوات الأخيرة .

هذا ويبرز زيت الزيتون كأحد أبرز المنتجات التونسية القادرة على اختراق السوق الصينية، خاصة وأن تونس تُصنّف ضمن أكبر المنتجين عالميًا بمتوسط إنتاج يتراوح بين 200 و300 ألف طن سنويًا حسب المواسم. ويُتيح الإعفاء الجمركي فرصة مضاعفة الصادرات نحو سوق يتجاوز عدد مستهلكيه 1.4 مليار نسمة، رغم أن الاستهلاك الفردي لزيت الزيتون في الصين لا يزال منخفضًا مقارنة بأوروبا.

وتُظهر المؤشرات أن صادرات زيت الزيتون التونسي شهدت في السنوات الأخيرة توجهًا نحو التنويع الجغرافي، غير أن حصتها في السوق الصينية تبقى دون 1% من إجمالي الصادرات، ما يعكس هامش نمو كبير. ويُفترض أن تُسهم الجهود التنسيقية التي قادتها السفارة الصينية في تونس، خاصة في مجال التعريف بإجراءات التفتيش والحجر الصحي، في تقليص الحواجز غير الجمركية التي كانت تعيق النفاذ .

تيسيرُ الإجراءات غير الجمركية كرافعة حاسمة

تُبرز التجربة الحديثة أن إزالة الرسوم الجمركية لا تكفي وحدها لتعزيز الصادرات، إذ تظل الإجراءات الفنية والصحية محددًا رئيسيًا. وفي هذا السياق، قامت الإدارة العامة للجمارك الصينية بمراجعة لوائح تسجيل الشركات الأجنبية المصدّرة للمواد الغذائية، ما أدى إلى ارتفاع عدد الشركات التونسية المسجلة، خصوصًا في قطاع زيت الزيتون.

ويُعد هذا التطور عاملًا حاسمًا، إذ تشير تقديرات دولية إلى أن التكاليف غير الجمركية قد تعادل في بعض الحالات ما بين 10% و30% من قيمة السلع. ويُنتظر أن تُسهم مرافقة كبرى الشركات التونسية، بالتنسيق مع مركز النهوض بالصادرات، في تسريع وتيرة الامتثال لهذه المعايير، وبالتالي تحسين القدرة التنافسية .

في جانب اخر، يكشف التحدي الأساسي في قدرة تونس على تجاوز التركّز القطاعي، حيث لا تزال الصادرات تعتمد على عدد محدود من المنتجات. وتتيح السوق الصينية فرصًا واعدة لمنتجات أخرى مثل التمور والمنتجات البحرية والصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة، خاصة في ظل نمو الطبقة الوسطى الصينية التي تُقدّر بأكثر من 400 مليون مستهلك. ويُفترض أن يُسهم تنويع العرض في تقليص مخاطر تقلب العائدات وتحسين مرونة الصادرات، بما يدعم الاستقرار الكلي .

يُعيد هذا الانفتاح الصيني طرح موقع تونس ضمن سلاسل القيمة العالمية، خاصة في ظل مبادرة “الحزام والطريق” التي تشمل استثمارات في البنية التحتية واللوجستيك. ويُمكن أن يُترجم تحسين النفاذ إلى السوق الصينية إلى جذب استثمارات صناعية موجهة للتصدير، ما يدعم النمو والتشغيل. غير أن تحقيق هذا السيناريو يظل رهين إصلاحات داخلية تتعلق بمزيد تحسين مناخ الأعمال، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الإنتاجية .

ويُؤكد المسار الحالي أن الإعفاء الجمركي يمثل فرصة استراتيجية، لكنه ليس ضمانة تلقائية لتحسين الأداء الاقتصادي. ويعتمد تحويل هذه المبادرة إلى مكسب اقتصادي مستدام على قدرة تونس على التموقع الذكي داخل هذه الشراكة، عبر رفع جودة المنتجات، وتطوير سلاسل التوريد، وتعزيز الحضور المؤسساتي في السوق الصينية. وفي ظل بيئة دولية مضطربة، تبدو هذه النافذة التجارية فرصة نادرة لإعادة التوازن للعلاقات الاقتصادية، شرط إدارتها برؤية استراتيجية طويلة المدى .

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا