تُبرز المفارقة بين التعليم والتشغيل واقعًا اقتصاديًا معقدًا في تونس، حيث لا يضمن الحصول على شهادة جامعية دائمًا الولوج إلى وظيفة تتناسب مع المهارات المكتسبة.
تُشير المعطيات إلى أن نسبة معتبرة من الخريجين يبدؤون مسارهم المهني في وظائف أدنى من مستوى تأهيلهم، في ظاهرة تُعرف بـ”فرط التأهيل”. وتُقدَّر هذه الظاهرة، بعد ثلاث سنوات من التخرج، بحوالي 20%، أي ما يعادل خريجًا واحدًا من كل خمسة، وهو ما يعكس اختلالًا هيكليًا بين منظومة التعليم العالي واحتياجات الاقتصاد الحقيقي.
هدر اقتصادي مزدوج
يُفسَّر فرط التأهيل بوصفه هدرًا اقتصاديًا مزدوجًا، إذ لا يقتصر أثره على الإحباط الفردي، لكنه يمتد ليشمل ضعف إنتاجية رأس المال البشري وتراجع مردود الاستثمار في التعليم. وفي سياق اقتصاد نامٍ مثل تونس، حيث تمثل الموارد البشرية أحد أهم محركات النمو، فإن عدم استغلال الكفاءات بالشكل الأمثل يؤدي إلى خسائر غير مباشرة في النمو المحتمل. وتشير تقديرات دولية إلى أن سوء تخصيص المهارات قد يُقلّص الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج بنسبة تتراوح بين 5% و10% في الاقتصادات الناشئة.
تُظهر البيانات أن التخصص الدراسي يظل العامل الحاسم في تحديد احتمالات الوقوع في فرط التأهيل. فالتخصصات ذات الانتقائية العالية والمرتبطة مباشرة بحاجيات السوق، مثل الطب والهندسة والهندسة المعمارية، توفّر مسارات مهنية أكثر استقرارًا، حيث تتجاوز نسب الإدماج الملائم في بعض هذه الشعب 80%. في المقابل، تواجه الشهادات العامة، مثل الإجازات في العلوم الاجتماعية أو الحقوق أو الفنون، مخاطر أعلى، نتيجة ارتفاع عدد الخريجين وضعف الارتباط المباشر بمتطلبات المؤسسات.
مسارات حاسمة
يُعزى هذا التفاوت إلى عاملين رئيسيين يتمثلان في التشبع وضعف المواءمة فكلما ارتفع عدد الحاصلين على شهادة معينة، زادت المنافسة على الوظائف المؤهلة، مما يدفع جزءًا منهم إلى قبول وظائف دون مستوى تأهيلهم. كما أن بعض التخصصات لا تُدمج بشكل كافٍ المهارات التطبيقية المطلوبة في سوق العمل، ما يخلق فجوة بين ما يتعلمه الطالب وما تحتاجه المؤسسة. وتُظهر المقارنات أن خريج العلوم الاجتماعية، على سبيل المثال، قد ينافس حاملي شهادات أدنى (باكالوريا+3)، ما يضغط على فرصه في الحصول على وظيفة ملائمة.
يؤكد مسار أول وظيفة على أهميته الحاسمة في تحديد المسار المهني اللاحق. إذ تُبيّن المعطيات أن الخريجين الذين يبدؤون بعقود هشة مثل عقود محددة المدة أو برامج إدماج مهني يكونون أكثر عرضة للبقاء في وضع فرط التأهيل لفترات أطول. في المقابل، يتيح الحصول على عقد دائم في مؤسسة كبرى أو في القطاع العام فرصًا أكبر للترقي المهني وتحقيق مواءمة أفضل بين الوظيفة والمؤهلات. وقد أظهرت دراسة تتبعية انخفاض نسبة فرط التأهيل من 30% إلى 20%، مع استفادة أساسية لأولئك الذين حصلوا على وظائف مستقرة منذ البداية.
اشكال هيكلي سوق الشغل
تعكس المؤشرات الكلية خللًا في هيكلة سوق الشغل، حيث يظل الطلب على الكفاءات العالية أقل من العرض المتنامي من خريجي الجامعات. وتُقدّر بعض الإحصاءات الحديثة أن معدل بطالة حاملي الشهادات العليا في تونس يتجاوز 24%، مقابل معدلات أدنى بكثير في التخصصات التقنية والمهنية. كما تشير بيانات مقارنة إلى أن الاقتصادات التي نجحت في تقليص فجوة المهارات، مثل كوريا الجنوبية أو ألمانيا، اعتمدت على منظومات تعليم مزدوج تجمع بين التكوين النظري والتطبيقي، ما عزز قابلية التشغيل وقلّص نسب سوء التوظيف.
تستدعي معالجة الظاهرة إصلاحات هيكلية متعددة الأبعاد تبدأ بإعادة صياغة البرامج الجامعية لتكون أكثر ارتباطًا بحاجيات السوق، مع إدماج مهارات رقمية ومهنية قابلة للتطبيق. كما يتطلب الأمر تعزيز التكوين التطبيقي والتدريب الإجباري داخل المؤسسات، بما يسمح للطالب باكتساب خبرة عملية قبل التخرج. ومن جهة أخرى، يظل تحفيز الاستثمار وخلق وظائف ذات قيمة مضافة عالية عنصرًا أساسيًا لاستيعاب الكفاءات، خاصة في قطاعات واعدة مثل الاقتصاد الرقمي والصناعات التكنولوجية.
تُبرز الرهانات المستقبلية ضرورة تحويل الشهادة إلى أداة إنتاجية لا مجرد وثيقة أكاديمية، من خلال بناء جسور فعالة بين الجامعة والمؤسسة ذلك انه كلما تحسنت مواءمة المهارات مع الطلب، ارتفعت إنتاجية الاقتصاد وتعززت فرص النمو المستدام. وفي هذا الإطار، يمكن لسياسات التوجيه المبكر، المدعومة ببيانات دقيقة حول سوق الشغل، أن تلعب دورًا محوريًا في مساعدة الطلبة على اختيار مسارات دراسية ذات آفاق مهنية واضحة.
يؤكد الواقع أن الاستثمار في رأس المال البشري لا يكتمل دون حسن توظيفه، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الخريجين، لكن في قدرة الاقتصاد على تحويل معارفهم إلى قيمة مضافة. وبين إصلاح التعليم وتحفيز سوق الشغل، تظل تونس أمام فرصة استراتيجية لإعادة صياغة علاقتها بالكفاءة، بما يضمن تحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب، ويجعل من الشهادة الجامعية جسرًا فعليًا نحو الاندماج الاقتصادي.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية