آخر الأخبار

بقلم محمد تونسي – فضيحة بالانتير : الإنذار العالمي أمام القوة الأمريكية الجديدة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لم تعد بالانتير مجرد شركة برمجيات. فمن خلال بيانها المؤلف من 22 نقطة، وعقودها العسكرية، ودورها في أوكرانيا، وقربها التاريخي من جهاز الأمن الأمريكي، ونفوذها المتنامي في مجال الذكاء الاصطناعي الدفاعي، باتت الشركة التي أسسها بيتر ثيل ويديرها أليكس كارب تظهر اليوم كأحد أبرز وجوه قوة أمريكية جديدة: قوة لا تمرّ فقط عبر القواعد العسكرية أو الطائرات المقاتلة، بل عبر المنصات والبيانات وأنظمة اتخاذ القرار.

ولا تكمن الفضيحة فقط فيما تقوله بالانتير، بل فيما أصبحت عليه بالفعل.

صدمة البيان: ما الذي يقوله النص فعلا؟

أثار النص صدمة لأنه لم يكن يشبه خطابا مؤسساتيا عاديا. لم يحمل الحذر المصقول للبيانات الرسمية، ولا النبرة المطمئنة للنشرات التكنولوجية. بل تحدث عن القوة، والحرب، والثقافة، والغرب، والذكاء الاصطناعي، والأسلحة ذاتية التشغيل، والخدمة الوطنية، والدَّين الأخلاقي للمهندسين تجاه أمريكا. فجأة، تبنت شركة خاصة لغة الدولة.

لم تعد بالانتير تقول فقط: “نحن نطور أدوات”. بل قالت شيئا آخر أكثر ثقلا: البرمجيات ستكون أحد الأدوات الحاسمة للقوة في القرن الحادي والعشرين، ومن يرفض وضعها في خدمة الدفاع الغربي يترك الساحة لخصوم أقل ترددا وأقل التزاما بالضوابط.

لم يكن الأمر إذن زلة عابرة. كان توضيحا صريحا.

لقد صدم بيان بالانتير لأنه أزال القناع. فالشركة لم تعد تقدم نفسها كمجرد مزود خدمات هادئ للإدارات والجيوش، بل باتت تعلن تبنيها لرؤية للعالم. وفي هذه الرؤية، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي أولا كأداة رفاهية، أو مساعد مكتبي، أو وعد بزيادة الإنتاجية. بل يتحول إلى أداة تفوق. سلاح بارد. ورقة موضوعة على طاولة القوى.

بيان بالانتير: الأفكار الأساسية الـ22

ستقوم قوة القرن الحادي والعشرين على البرمجيات

الذكاء الاصطناعي قضية سيادة وطنية

على الديمقراطيات أن تستثمر بكثافة في تكنولوجيا الدفاع

فقدت وادي السيليكون رسالتها حين ركزت على الترفيه والإعلانات

للمهندسين مسؤولية أخلاقية تجاه بلدهم

رفض العمل مع قطاع الدفاع يضعف الديمقراطيات

خصوم الغرب لا يحملون هذه التحفظات

الأسلحة ذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي العسكري أمران لا مفر منهما

السؤال ليس: “هل يجب تطويرها؟”، بل: “من سيطورها؟”

ينبغي أن تعود البرمجيات أداة قوة، لا مجرد وسيلة راحة

على النخب التكنولوجية دعم الدول الديمقراطية

يجب أن تعود الأمن القومي إلى صدارة الأولويات

الغرب منخرط في منافسة استراتيجية عالمية

أصبحت التكنولوجيا في قلب هذه المنافسة

تلعب الشركات الخاصة دورا أساسيا في هذه الحرب التكنولوجية الجديدة

على الحكومات التعاون بشكل وثيق مع هذه الشركات

يجب أن تخدم الابتكارات أهدافا استراتيجية، لا اقتصادية فقط

يرتبط التفوق التكنولوجي بالأمن والحرية

قد يتحول التأخر التكنولوجي إلى خطر وجودي

على الثقافة الغربية أن تعيد تسليح نفسها فكريا وصناعيا

على المنصات الكبرى أن تتحمل دورها السياسي

الدفاع عن الغرب يمر عبر السيطرة على الذكاء الاصطناعي والبيانات

العبارة قاسية، لكنها تختصر جوهر القضية: بالانتير لم تعد تبيع البرمجيات فقط. إنها تبيع عقيدة.

الحمض النووي لبالانتير: وكالة الاستخبارات المركزية، بيتر ثيل والولادة في الظل

لفهم البيان، يجب العودة إلى البداية. وُلدت بالانتير سنة 2003، في أمريكا ما بعد هجمات 11 سبتمبر، حول بيتر ثيل وأليكس كارب ومؤسسين آخرين.

لم يكن عالمها الأصلي عالم التطبيقات الموجهة للجمهور، أو شبكات التواصل الاجتماعي، أو التجارة الإلكترونية. نشأت بالانتير في مناخ آخر: الاستخبارات، مكافحة الإرهاب، الأمن القومي، تقاطع قواعد البيانات، ورصد الإشارات الضعيفة.

و هذا يغير كل شيء.

ليست بالانتير شركة من وادي السيليكون اكتشفت متأخرة أسواق القطاع العام والدفاع. لقد وُلدت قرب هذه الحدود، في تلك المنطقة الرمادية حيث تتحول البرمجيات إلى استخبارات، والبيانات إلى سلطة، والتكنولوجيا إلى أداة لا تقتصر على البيع بسرعة أكبر، بل تتيح الرؤية قبل الآخرين.

يُعد أليكس كارب اليوم الوجه الأكثر بروزا للشركة. خطابه خاص، أحيانا مسرحي، وغالبا استفزازي. لكن بيتر ثيل يظل المهندس الأيديولوجي للمشروع برمته. فبصمته أعمق. يحمل ثيل منذ سنوات رؤية صلبة للقوة الأمريكية، ونقدا للامتثال الليبرالي في وادي السيليكون، وقربا معلنا من يمين تكنولوجي لم يعد يريد الاكتفاء بالابتكار، بل يريد التوجيه.

وهنا يصبح البيان سياسيا. فهو لا يظهر كنص معزول، بل يندرج ضمن مجرة من الأفكار والشبكات والمصالح التي تتقاطع فيها الدفاع، والمال، والذكاء الاصطناعي، والقومية التكنولوجية، واليمين الأمريكي الجديد. والارتباط بعالم ترامب، وجاي دي فانس، والمستثمرين المحافظين ليس مجرد خلفية. إنه يمنح النص عمقه الاستراتيجي.

في بالانتير، لم تكن البرمجيات بريئة يوما. لقد وُلدت في الممرات التي لا يُتحدث فيها عن الابتكار فقط، بل عن التهديدات، والأعداء، والحدود، والهيمنة المعلوماتية. والبيان لا يفعل سوى أن يقول بصوت أعلى ما كانت الشركة تقوله منذ زمن عبر عقودها.

مصدر الصورة

مشروع مافن: اللحظة التي تراجعت فيها غوغل وتقدمت بالانتير

يشكل عام 2018 لحظة تأسيسية. وهي لحظة تستحق أن تُروى كمشهد كامل.

كانت غوغل تعمل حينها مع البنتاغون على مشروع مافن، وهو برنامج يهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الطائرات المسيّرة. داخل الشركة، بدأ الاعتراض يتصاعد. احتج موظفون، وانتشرت عرائض، واستقال بعضهم. بالنسبة إلى جزء من المهندسين، تم تجاوز الخط الأحمر: لا ينبغي أن يشارك ذكاء غوغل الاصطناعي في الحرب. وفي النهاية، أعلنت غوغل أنها لن تجدد العقد.

كانت بالانتير تراقب المشهد. واختارت الطريق الآخر.

حيث رأت غوغل خطرا أخلاقيا، رأت بالانتير مهمة. وحيث أراد جزء من وادي السيليكون الحفاظ على صورة سلمية للتكنولوجيا، اختارت بالانتير أن تتحمل صراحة الاحتكاك بالمجال العسكري. هذه اللحظة تختصر الفارق الكامل بين ثقافتين تكنولوجيتين أمريكيتين.

يمثل مشروع مافن المشهد الأولي للبيان. فكل شيء كان حاضرا هناك: الطائرات المسيّرة، الذكاء الاصطناعي، الأخلاق، البنتاغون، المهندسون، الحرب، والحد الفاصل بين ما يمكن فعله وما لا ينبغي فعله. تراجعت غوغل. وتقدمت بالانتير.

منح هذا الشرخ بالانتير هويتها المعاصرة: الشركة التي تقبل القيام بما يرفض الآخرون تحمّله علنا. فهي لا تعتذر عن الوقوف إلى جانب القوة. بل تجعل من ذلك علامتها الخاصة.

أوكرانيا: الواجهة الأخلاقية والتجارية

ثم جاءت أوكرانيا. ومعها مشهد آخر، أكثر مأساوية بكثير.

بعد الغزو الروسي في فيفري 2022، أصبحت بالانتير أحد الفاعلين التكنولوجيين في الدعم الغربي لكييف. وارتبطت أدواتها بتحليل البيانات، والمساعدة على اتخاذ القرار، والاستهداف، واللوجستيات العسكرية، وحتى التحقيقات في جرائم الحرب. وفي عدة روايات تناولت الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة الأوكرانية، ظهرت الشركة كأحد رموز هذه الحرب الجديدة، حيث تمتزج البيانات وأجهزة الاستشعار وصور الأقمار الصناعية والبرمجيات والخوارزميات بالأسلحة التقليدية.

بالنسبة إلى بالانتير، أصبحت أوكرانيا دليلا. دليلا عمليا أولا: في الحرب الحديثة، من يرى أسرع يقرر أسرع. ومن يربط البيانات المبعثرة يربح بضع دقائق. وأحيانا تكفي بضع دقائق.

لكن أوكرانيا أصبحت أيضا دليلا أخلاقيا. بات بإمكان بالانتير أن ترد على منتقديها بالقول إن أدواتها لا تُستخدم فقط للمراقبة أو السيطرة أو تعزيز الجهاز الأمني الأمريكي، بل يمكنها أيضا مساعدة ديمقراطية تتعرض للهجوم على مقاومة قوة سلطوية.

إنها حجة شديدة الفاعلية. فهي تحول الحرب إلى دليل. وتمنح البرمجيات شرعية مأساوية. وتتيح القول: انظروا، ما تسمونه عسكرة قد يكون أيضا شرطا للبقاء.

هذه البرهنة قوية. لكنها خطيرة أيضا. إذ تتحول ساحة المعركة إلى واجهة تجارية. وتصبح الأنقاض حالة استخدام. وتُستعمل الحرب، بغبارها وضحاياها وإلحاحها، لإثبات أن شركة ما كانت على حق قبل الآخرين.

لم تعد بالانتير تبيع منصة فقط. إنها تبيع فكرة مفادها أن الديمقراطيات التي لا تسيطر على الذكاء الاصطناعي العسكري في عالم الغد قد تكون مهددة بالاختفاء.

البيان: عقيدة أم استراتيجية تجارية؟

جاء البيان بعد إعداد طويل. جاء بعد مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، وبعد مشروع مافن، وبعد أوكرانيا، وبعد سنوات من العقود الحكومية والجدل حول المراقبة. وجاء، خصوصا، في عالم عادت فيه الحرب، وأصبح فيه الذكاء الاصطناعي هاجسا استراتيجيا، وتبحث فيه الدول عن أدوات تمكّنها من اتخاذ القرار أسرع من خصومها.

رسالته بسيطة: لن تكون القوة بعد اليوم صناعية أو عسكرية أو دبلوماسية فقط. ستكون أيضا برمجية. فمن يسيطر على البيانات والنماذج وأنظمة اتخاذ القرار، سيسيطر على جزء من الواقع.

لكن بالانتير لا تكتب هذا النص من موقع ضعف. فالشركة مدفوعة بانفجار الذكاء الاصطناعي، وعقودها الحكومية، والطلب العسكري، وشرعية مالية جديدة. جاء البيان في التوقيت المناسب. لقد حوّل مسارا تجاريا إلى سردية تاريخية.

وهنا يصبح النص بالغ الخطورة.

بالانتير تصف التهديد. وتبيع الأداة. وتضفي طابعا دراميا على المرحلة. وتقدم نفسها باعتبارها طرفا لا غنى عنه.

العقيدة صادقة. لكنها مربحة أيضا.

الفضيحة البريطانية: حين تلامس العقيدة الصحة العامة

أصبحت المملكة المتحدة أول جبهة سياسية في هذه القضية، لأن بالانتير تحتل فيها بالفعل موقعا حساسا.

تحوز الشركة عقودا عامة مهمة في بريطانيا، من بينها عقد كبير مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا، حول منصة البيانات الاتحادية، وهي بنية تحتية تهدف إلى تنظيم بيانات النظام الصحي واستغلالها على نحو أفضل. وهنا يتغير معنى البيان.

ما دام يتحدث عن الحرب، قد يبدو بعيدا. وما دام يستحضر الغرب، والأسلحة ذاتية التشغيل، أو التنافس الاستراتيجي، فهو ينتمي إلى المسرح الجيوسياسي الكبير. لكن حين تتدخل شركة تحمل هذا الخطاب في بيانات الصحة العامة، يصبح القلق شخصيا وقريبا.

الخوف يغادر ساحة المعركة. ويدخل المستشفى.

يطالب نواب بريطانيون ونقابات وجمعيات ومواطنون بتوضيحات. سؤالهم بسيط: هل يمكن لشركة تتحدث عن الحرب والهيمنة والذكاء الاصطناعي العسكري والقوة الأمريكية أن تحتل موقعا بهذه الحساسية داخل مرفق صحي عام؟

يرد المدافعون عن بالانتير بأن منصاتها تحسن الفاعلية وتسمح للإدارات باستغلال بيانات غالبا ما تكون مشتتة، سيئة التنظيم، وشبه غير قابلة للاستخدام. ولا يمكن إهمال هذا الطرح. فالمستشفيات تحتاج إلى أدوات. والإدارات أيضا. والفوضى الرقمية مكلفة.

لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد الفاعلية. من يسيطر على الأداة؟ من يدقق النماذج؟ من يحدد الاستخدامات؟ من يستطيع الخروج من العقد؟ ومن يضمن ألا يتحول الاعتماد التقني غدا إلى اعتماد سياسي؟

في المجال الرقمي، نادرا ما يكون الفخ مرئيا في البداية. فهو ينكشف حين يصبح الخروج منه بسهولة أمرا متأخرا.

السؤال المطروح على جميع الدول: أوروبا، تونس، والسيادة

تتجاوز قضية بالانتير الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بكثير. فهي تجبر جميع الدول على مواجهة حقيقة واضحة: السيادة لم تعد تُحسم فقط عند الحدود، أو في الموانئ، أو البنوك المركزية، أو القواعد العسكرية. إنها تُحسم أيضا داخل البرمجيات التي تصنف وتتنبأ وتراقب وتقرر.

تتحدث أوروبا منذ سنوات عن السيادة الرقمية. لكن الكلام لا يكفي. حين تعتمد دولة على شركة أجنبية لتنظيم بياناتها الحساسة، فهي لا تفوض مجرد خدمة معلوماتية. إنها تفوض جزءا من قدرتها على الفهم والفعل.

بالنسبة إلى تونس، الدرس أكثر مباشرة.

لا حاجة إلى خطاب كبير. ولا حاجة إلى تصنيع كل شيء بمفردها، فذلك غير واقعي. تبدأ السيادة الحقيقية من أمر أبسط بكثير، وأصعب بكثير في الوقت نفسه: أن تعرف الدولة بدقة ما الذي تعتمد عليه.

لأننا لا نحمي ما لا نراه.

عالم جديد…

ليست فضيحة بالانتير الحقيقية فقط في أن شركة تنشر بيانا حول القوة. فالشركات الكبرى أنتجت دائما سرديات لتجعل نفسها ضرورية.

الفضيحة الحقيقية في مكان آخر: بالانتير تحتل بالفعل موقعا استراتيجيا في قطاعات حساسة، وفي الوقت ذاته تتبنى رؤية سياسية للتكنولوجيا. لم تعد مجرد مزود خدمات. أصبحت فاعلا عقائديا. لم تعد تكتفي بتجهيز السلطة. بل تريد المشاركة في لغتها وأولوياتها ومخيالها.

هذا ما يطلق الإنذار العالمي.

في العالم القديم، كانت القوة الأمريكية تُرى في حاملات الطائرات، والدولار، وهوليوود، والقواعد العسكرية، والأقمار الصناعية، وعمالقة التكنولوجيا الموجهة للجمهور العام.

أما في العالم القادم، فستكون أقل ظهورا. ستتدفق عبر المنصات، ولوحات القيادة، وأنظمة دعم القرار، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والعقود العامة، وهندسات البيانات.

ستكون أكثر هدوءا. وبالتالي، أكثر صعوبة في الاعتراض عليها.

محمد تونسي – خبير في الاستراتيجية و القرارات و التحولات.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا