في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في تصريح خاص لتونس الرّقمية اليوم الخميس، 23 أفريل 2026، قدّم الباحث في علم الاجتماع طارق السّعيدي قراءة تحليلية لارتفاع نسب الطّلاق و التي بلغت خلال سنة 2023، 16012 حالة وفق المعهد الوطني للاحصاء، و قال السّعيدي إنّه بالنّسبة لحالات الطّلاق فقد أثبتت هذه الاحصائيات انّ تونس تعيش منحى تصاعدي و خاصة في الفترة الممتدة بين سنة 2020 و 2023.
سيطرة قيم الاستهلاك و قيم السوق أصبحت تلعب دورا في تشكل طبيعة المجتمع و من ضمنه العائلة….
و اعتبر المتحدّث أنّ هذه الظّاهرة لا ترتكز على تفسير واحد إذ يوجد تفسير عام متعلّق بطبيعة المجتمع الجديد و بطبيعة الأسرة و العائلة ضمن هذا المجتمع، إذ انّ العائلة اليوم تشهد تغيرات جذرية تحت وطأة السلوك الفردي الجديد و تحت وطأة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي و المجتمع الشّبكي، و تحت وطأة قيم الاستهلاك و قيم السوق التي سيطرت على نظام القيم العام، و بالتالي أسس العائلة التي تقوم على التضامن و الحميمية و القرب و اعادة انتاج نفسها هي اليوم بصدد التضرر بشكل أو بآخر.
و اضاف السعيدي أنّه على خلفية الاسباب المذكورة، فمن البديهي و من الطّبيعي أن يوجد ارتباك كبير ضمن هذه المؤسّسة، و ذلك في تواصلها و في وظائفها و في نظام قيمها و في نظام العلاقات داخلها، و هذا المنحى العام لا يخص فقط تونس، حيث أنّ المفكّرين و علماء الاجتماع تطرّقوا لهذا الموضوغ بدقة بخصوص المجتمع الجديد و المجتمع الحديث الذّي كانت بدايته في أوروبا و لكن قواعده و نظام العلاقات الذّي يحمله تتسرب تدريجيا إلى المجتمعات الأخرى.
تأثير الوضع الاقتصادي على ارتفاع نسب الطّلاق و انتشار النزعة الفردانية:
أمّا فيما يتعلّق بالجانب الاقتصادي فأوضح المفكّر و الباحث في علم الاجتماع أنّ الزّوجين يتأثّران بالوضع الاقتصادي و بالتالي فإنّه إذا ما تمّت إضافة النّزعة الفردانية و طغيان الحلّ الفردي، فإنّ الازمة الاقتصادية تنعكس بالضرورة على مؤسّسة الزواج و هو نفس الامر بالنسبة لمؤسّسة المدرسة و مؤسسة الدّولة و مؤسّسة الانتاج الاقتصادي أيضا. و هذه المؤسّسات الاجتماعية الكلاسيكية تخضع لتأثير السياقات العامة للأزمات الاقتصادية و الاجتماعية، و خلال الأزمة الاقتصادية فإنّ الاسرة تقع بطبيعتها تحت الضغط و هذا الضّغط إمّا أن يستمرّ بالتضامن و بالوحدة و العشرة الحسنة أو ينفجر بفعل الفردانية و الأنانية و البحث عن الحلّ الفردي.
و أكّد طارق السعيدي أنّ الافراد في تونس لا يتمتعون بما يتمتع به الفرد في سياق الليبرالية الغربية، يعني أنّه يوجد نفس نظام القيم لكن ليس بنفس الامكانيات و لا نفس نظام العلاقات الاجتماعية و بالتالي نصبح امام حالة فردانية خصوصية قائمة على الانانية و مركزية الذّات و هو ما يساهم في فشل الزواج، و الامر يعد طبيعيا حيث انّ عملية الزّواج ستتقلص اكثر بسبب الفردانية و الازمة الاقتصادية الحاصلة، بالاضافة إلى أنّ الطّلاق سيتصاعد لانّ السياق المجتمعي الجديد او السياق التاريخي للعلاقات الاجتماعية ستؤدي إلى هذه النتائج، وفق قوله.
يجب التفكير في المؤسّسات الاجتماعية بشكل جديد…
و لفت محدّث تونس الرّقمية إلى كون التونسيين لا يجب أن يتفاجؤوا بوجود تفكك كبير في مؤسّسات المجتمع سيظهر تدريجيا، حيث أنّ التمسك بصياغات قديمة لمؤسّسات المجتمع لن يحدث تقدّما إذ لا بدّ من التفكير في هذه المؤسسات الاجتماعية بشكل جديد دون التخلي عن دور العائلة في التنشئة و تربية الابناء لانّه يوجد تعارض بين الصياغة و الهيكلة القديمة لمؤسّسات المجتمع في سياقها الجديد. و هذا الامر نتج عنه عديد الاشكاليات مثل التسرب المدرسي و عدم قدرة الدّولة على ادارة المجتمع و المؤسّسة الاقتصادية على الاستقطاب ، و الظّاهرة ليست بالجديدة بل تطرق لها علماء الاجتماع منذ ما يزيد عن الـ 30 سنة.
تأثير حالات الطّلاق الغير ناجحة على الأبناء “تقريبا تكاد تكون كارثية”
و عن تجارب الطّلاق التي تعتبر غير ناجحة و قد تكون لها تأثيرات كبيرة خاصة على الأطفال، أوضح المختص في علم الاجتماع أنّ هذا الامر يؤكّد كون الطّلاق في أغلب الأحيان يكون نتيجة قرار انفعالي و ليس قرار عقلاني، خاصة و انّه وفق بعض الانطباعات الاولية، العلاقات بعد الطّلاق تتشنج و تصبح لا تحكمها العقلانية، و لا يتمّ فيها العمل على ايجاد سياقات عقلانية لتربية الأطفال بل تسيطر عليها الصراعات الامر الذّي يؤكّد المنحى الفرداني و الانانية التي تغلب مصلحة و موقع الفرد على حساب واجباته تجاه الابناء، و هذا الامر يتطلب الكثير من الوعي و الادراك كونه يؤثّر بشكل سلبي كبير.
و شدّد السعيدي على كون الطّلاق في حالات الزّواج الذّي يعتبر مبني على وعي تكون له عديد التداعيات النفسية السلبية على الاطفال، و بالتالي فإنّ الطّلاق في حالات الخصام تكون تداعياته تقريبا كارثية، و لهذه الاسباب فإنّه من الضّروري تدخل هياكل الدّولة، ليس فقط عن طريق القانون بل أيضا عبر الاحاطة بالمطلّقين و المطلقات و الاحاطة بعلاقاتهم و ذلك بعد انتداب مختصين في علم النفس و علم الاجتماع.
يجب انتداب مختصين في علم النفس و علم الاجتماع لمرافقة المطلّقين لتجنب انتاج طفل هش و غير ناجح بأرقام مفزعة
و هذا الامر قد يفتح فرص شغل جديدة، وفق السّعيدي، لانّه يجب على الدّولة أن تنتدب و تخصّص من يرعى لأنّ الكوارث الاجتماعية التي بصدد الحدوث نتيجة صراع الأبوين، قبل الطّلاق أو بعده تساهم في خلق مسار مشوه و طفل هش غير طبيعي و لا يمكن ان تتم المراهنة عليه حتى يكون فرد ناجح إلا في بعض الحالات و ذلك لكون الرأس المال الرّمزي و العائلة و محيطها و طريقة التربية تدخل في مستقبل الطّفل، اي أنّ فشله الدّراسي و العملي و الاجتماعي هو جزء كبير من نتائج ما عاشه في طفولته من تمزّق و من حرمان.
و وجّه المتحدّث دعوة للدّولة حتى تتجند و تجد الحلول في هذا الاتجاه و من الممكن حتى التوجه نحو اشتراط الجاهزية النّفسية و الخلو من العقد النفسية في علاقة بالزّواج كما هو الأمر بالنّسبة للجاهزية الجسدية، حيث انّه من غير الطّبيعي الحديث عن تفكك 60 ألف عائلة خلال 4 سنوات، و قد يكون معدّل الاطفال الناتجين عن هذه العائلات في حدود الـ 30الف طفل، و ستكون عملية تنشئتهم صعبة جدا، مشيرا إلى انّ هذه المعدلات خاصة بالسنوات الاخيرة و لكن يجب الاخذ بعين الاعتبار ايضا عمليات الطّلاق التي تمّت سابقا في سنوات الـ 2000 و التي هي تقريبا فبي حدود الـ 14 ألف حالة…
ما يعني انّه خلال 10 سنوات هناك ما يقارب الـ 150 ألف حالة طلاق نتج عنها ما يقرب الـ 80 ألف طفل و هذا إذا ما تمّ احتساب المعدّلات على أساس أنّ هذه الحالات نصفها أنتجت أطفال، ما يعني أن هذا المعدّل هو مشاريع أطفال غير ناجحين بسبب العائلة و بسبب المحيط العائلي و بالتالي فإنّه من الضروري انّ تقوم الدّولة بالانتداب في هذا الاتجاه على اعتبار انّ تونس تحتاج لرصيدها البشري، على حدّ تعبيره.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية