يُظهِرُ التحليل الاقتصادي الكلي أن العجز العمومي ليس بالضرورة مؤشرًا سلبيًا في حد ذاته، باعتبار أنه من الممكن أن يشكل أداة فعّالة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، خاصة في فترات الأزمات.
وتُؤكِّدُ الأدبيات الاقتصادية أن لجوء الدولة إلى الإنفاق بما يفوق إيراداتها يمثل عاملا لدعم الطلب الداخلي، وامتصاص الصدمات، والحفاظ على النشاط الاقتصادي. وتُسجِّلُ العديد من الاقتصادات المتقدمة نسب عجز تتجاوز 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي خلال فترات الركود، دون أن يشكّل ذلك خطرًا مباشرًا على استدامتها المالية، طالما بقيت مستويات النمو قادرة على مواكبة كلفة الدين.
شروط الاستدامة المالية في الاقتصاد الكلي
تُبيِّنُ التجارب الدولية أن المسألة الجوهرية لا تكمن في وجود العجز، لكن في قدرته على البقاء ضمن مسار قابل للاستدامة. ويُقاسُ ذلك بقدرة الدولة على خدمة دينها، أي سداد الفوائد دون الوقوع في دوامة مديونية متصاعدة. وتُظهِرُ المؤشرات أن استقرار نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يتطلب تحقيق توازن بين معدل النمو الاقتصادي ومعدل الفائدة، إضافة إلى التحكم في العجز الأولي.
تُبرزُ البيانات أن تونس حافظت، قبل سنة 2010، على مستوى نسبي من الانضباط المالي اذ تراوح العجز العمومي بين 2٪ و3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بقي الدين العمومي في حدود 40٪، وهو مستوى مقبول وفق المعايير الدولية. كما تميّزت تلك المرحلة بنسق نمو مستقر نسبيًا بلغ في المعدل نحو 4٪ سنويًا، مما ساهم في الحفاظ على توازن نسبي بين الإيرادات والنفقات. ومكّن هذا السياق من توفير هامش مناورة مالي، رغم محدوديته، وأتاح للدولة تمويل سياساتها دون ضغوط مفرطة على مستوى المديونية.
التحوّل الهيكلي بعد 2011
تكشفُ الأرقام عن تحوّل عميق في مسار المالية العمومية بعد سنة 2011 حيث ارتفع عجز الميزانية ليتجاوز 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2013، وهو مستوى غير مسبوق تاريخيًا في تونس. في المقابل، قفز الدين العمومي من نحو 40٪ قبل 2010 إلى حوالي 55٪ في 2015، ليواصل لاحقًا منحاه التصاعدي متجاوزًا 80٪ في السنوات الأخيرة، وفق تقديرات حديثة. كما أصبح العجز الأولي سلبيًا بشكل مستمر، وهو ما يعني أن البلاد لم تعد قادرة على تغطية نفقاتها دون احتساب فوائد الدين. وتُشيرُ هذه المعطيات إلى فقدان تدريجي لشروط الاستدامة المالية.
في ذات السياق، تُبرزُ القراءة التحليلية أن التحوّل السياسي بعد 2011 لم يكن سببًا مباشرًا للأزمة المالية، لكنه ساهم في تسريعها حيث أدّى عدم الاستقرار السياسي، وتعاقب الحكومات، وتزايد الضغوط الاجتماعية إلى تبني سياسات مالية توسعية بهدف الحفاظ على السلم الاجتماعي ودعم النشاط الاقتصادي. وارتفعت كتلة الأجور لتتجاوز 15٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى النسب عالميًا، كما زادت نفقات الدعم والتحويلات الاجتماعية. في المقابل، لم تنجح الإيرادات الجبائية في مواكبة هذا النسق، حيث بقيت نسبة الضغط الجبائي مستقرة نسبيًا دون تحقيق قفزة نوعية في الموارد.
إشكالية استمرارية العجز
تُظهرُ التجربة التونسية أن الإشكال لم يكن في اللجوء إلى العجز كأداة ظرفية، بقدر تمحوره حول تحوّل هذا العجز إلى سمة هيكلية دائمة. في العديد من السنوات بعد 2011، استمر العجز عند مستويات مرتفعة رغم التحسن النسبي للنمو، مما يعكس اختلالًا في إدارة المالية العمومية. في نفس الاطار، تُسجِّلُ البلاد معدلات نمو ضعيفة نسبيًا، لم تتجاوز في المتوسط 1٪ إلى 2٪ خلال العقد الأخير، مقابل ارتفاع كلفة الاقتراض، خاصة مع تراجع التصنيف السيادي. وأدى هذا التباين إلى تسارع وتيرة تراكم الدين، بما ضيّق هامش التدخل المالي للدولة.
في جانب اخر، تُميِّزُ الأدبيات الاقتصادية بين العجز الموجّه للاستثمار والعجز الموجّه للاستهلاك. في الحالة الأولى، يُستخدم العجز لتمويل مشاريع البنية التحتية أو الإصلاحات الهيكلية التي تعزز النمو المستقبلي، ما يبرر ارتفاعه مؤقتًا. أما في الحالة الثانية، فيؤدي إلى زيادة النفقات الجارية دون خلق قيمة مضافة مستدامة. وتُشيرُ البيانات في تونس إلى أن جزءًا كبيرًا من العجز خُصص لنفقات جارية، خاصة الأجور والدعم، في حين بقي الاستثمار العمومي محدودًا نسبيًا، حيث لم يتجاوز في الكثير من السنوات 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
كما تُبيِّنُ التجربة التونسية أن استعادة استدامة المالية العمومية لا تقتصر على تقليص العجز، بقدر ما تتطلب إعادة توجيهه نحو دعم النمو. ويمرّ ذلك عبر تحسين كفاءة الإنفاق العمومي، وتوسيع القاعدة الجبائية، وتعزيز الاستثمار المنتج. كما تظلّ استعادة الثقة، سواء لدى الفاعلين الاقتصاديين أو المستثمرين الدوليين، عنصرًا حاسمًا في خفض كلفة التمويل وتحسين شروط الاقتراض.
وعموما تُشيرُ المعطيات إلى أن تونس تمتلك مقومات إعادة التوازن، رغم التحديات اذ يظلّ التحكم في العجز ممكنًا إذا ما تم ربطه باستراتيجية نمو شاملة ومستدامة، ترتكز على الإصلاحات الهيكلية وتحسين مناخ الأعمال. ولا يكمن التحدي فعليا في القضاء على العجز، بل في إدارته بذكاء، بما يجعله رافعة للنمو بدل أن يكون عبئًا عليه.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية