قبل فترة قصيرة، كانت أوكرانيا تُعتبر في المقام الأول دولة يجب الدفاع عنها. كانت هناك جبهة، وإقليم تحت الضغط، يستقبل المساعدات العسكرية والسياسية والمالية من حلفائها لصد العدوان الروسي. لكن الحرب، عندما تستمر، تحول الدول بقدر ما تختبرها. واليوم، يحدث تحول خفي لكن عميق: كييف لم تعد تقتصر على الاستقبال فقط، بل بدأت في النقل، والتنظيم، والعرض.
خبرة ولدت تحت القنابل
خلال سنوات الحرب الشاملة، اكتسبت أوكرانيا خبرة لا يمكن لأي دليل استراتيجي أن يقدمه. تعلمت كيف تواجه الهجمات المدمرة، وأسراب الطائرات المسيرة، والهجمات المتكررة ضد مدنها وبنيتها التحتية وشبكتها الكهربائية. كان عليها ابتكار دفاع ليس فقط قويًا، بل مرنًا وسريعًا وقابلًا للتكيف. هذه المعرفة، التي تم صقلها في أوقات الطوارئ، تحولت إلى قدرة استراتيجية.
الخليج يكتشف قيمة الخبرة الأوكرانية
هذا هو بالضبط ما يهم اليوم العديد من دول الشرق الأوسط. خلال جولته في السعودية والإمارات وقطر والأردن في الفترة من 27 إلى 29 مارس، لم يسعى الرئيس فولوديمير زيلينسكي فقط للحصول على الدعم الدبلوماسي، بل طرح فكرة أخرى: أوكرانيا يمكن أن تكون الآن شريكًا في مجال الأمن.
توصلت كييف إلى اتفاقات شراكة دفاعية لمدة عشر سنوات مع قطر والإمارات والسعودية، بينما تعمقت في تبادل الأمن مع الأردن.
من الطائرات المسيرة “شاهد” إلى العقيدة المضادة للطائرات المسيرة
هذا التحول كبير. فهو يعني أن دولة غارقة في الحرب يمكنها، رغم ذلك، أن تصبح مصدرًا للخبرة. أوكرانيا لا تقدم نظرية مجردة، بل تجربة حقيقية، تم اختبارها تحت النار: كيف تبني دفاعًا جويًا فعالًا في ظل ظروف الحرب الحديثة؟ كيف تحيد التهديدات غير المتناظرة؟ كيف تتعامل مع الهجمات التي تشنها الطائرات المسيرة والصواريخ دون أن تستنفد مواردها؟
في مواجهة الطائرات المسيرة من نوع “شاهد”، التي غيرت ملامح الصراعات الحديثة، تعلمت أوكرانيا أن التفوق لا يعتمد فقط على الأنظمة الثقيلة والمكلفة. بل يعتمد أيضًا على الذكاء التكتيكي، وسرعة التكيف، والتوازن بين التكلفة والفعالية. في هذا المجال، وهو حرب جوية على ارتفاع منخفض وتكرار عالي، طورت كييف شكلًا من الخبرة التي تعتبر بالغة الأهمية لشركائها في الخليج.
اندماج متزايد في الأمن العالمي
لكن هذا التحول لا يقتصر على الشرق الأوسط فقط. في الوقت نفسه، تواصل أوكرانيا استراتيجية أوسع: تكاملها بشكل أكبر في النظام العالمي للتعاون الأمني. يشمل ذلك جذب الاستثمارات، وإنتاج الأسلحة المشتركة، وتبادل الخبرات حول التهديدات المعاصرة، بالإضافة إلى الاندماج المتزايد في الهيكل الأمني الأوروبي.
أوروبا تستثمر في الإنتاج وليس فقط في الإمدادات
يعد اعتماد المفوضية الأوروبية لبرنامج “EDIP”، الذي تبلغ قيمته 1.5 مليار يورو، مثالًا عمليًا على ذلك. يهدف هذا البرنامج إلى توسيع قدرات الإنتاج في صناعة الدفاع الأوروبية والأوكرانية، ودعم الابتكار، وتعزيز المشتريات المشتركة للأنظمة الدفاعية والطائرات المسيرة والذخائر. هذا ليس مجرد آلية مالية، بل هو إشارة استراتيجية.
من خلال دمج أوكرانيا في برنامج “EDIP” على قدم المساواة مع أعضاء الاتحاد، لا تساعد أوروبا حليفًا فقط. بل تبدأ في دمج صناعة الدفاع الأوكرانية في نظامها الأمني، حتى قبل الانضمام السياسي الرسمي إلى الاتحاد الأوروبي. الرسالة مزدوجة: الغرب لا يستثمر فقط في نقل الأسلحة الجاهزة للاستخدام، بل يستثمر أيضًا في قدرة أوكرانيا على الإنتاج، والابتكار، والاستمرار على المدى الطويل.
الاستمرارية، الابتكار، والإنتاج
هذا النقطة حاسمة. لأن مرونة دولة في حالة حرب لا تعتمد فقط على ما تتلقاه، بل على ما يمكنها صنعه بنفسها. من خلال التركيز على الأنظمة المضادة للطائرات المسيرة، والدفاع الجوي، والابتكار، يتماشى هذا البرنامج مع احتياجات الجبهة ويسمح لكييف بالبقاء في السباق التكنولوجي أمام المعتدي.
يلعب تمويل الشركات الصغيرة والهياكل المبتكرة هنا دورًا مهمًا بشكل خاص: فهو يدعم التكنولوجيا الأوكرانية، ويعزز أمن البلاد، ويسهم في استعادة الصناعات، ويحد من هجرة الكفاءات.
رسالة سياسية وراء الجهود
وراء هذا الجهد، هناك رسالة سياسية موجهة مباشرة إلى الكرملين: أوروبا ليست مستعدة للتخلي. هي تستعد لدعم أوكرانيا طالما كان ذلك ضروريًا.
زيلينسكي يضغط على ملف العقوبات
في الوقت نفسه، تُصر كييف على استخدام رافعة أساسية أخرى في الحرب: العقوبات. يدعو فولوديمير زيلينسكي شركاءه إلى عدم التراجع عن الضغط الاقتصادي على موسكو. حجته بسيطة: رفع أو تخفيف العقوبات يعني مساعدة المعتدي بشكل ملموس. فطالما أن روسيا تواصل جني الإيرادات من صادراتها، فإنها تظل قادرة على prolonger الحرب.
“الأسطول الشبح” هدف استراتيجي جديد
في هذا السياق، ترى أوكرانيا أن مساعدة روسيا في الالتفاف على العقوبات تعني الاستثمار في استمرار القصف وفي قتل الأوكرانيين. لذلك، يجب على الشركات الدولية أن تأخذ في اعتبارها ليس فقط المخاطر القانونية، بل أيضًا التكلفة السمعة لمثل هذه التعاونات.
51 سفينة تحت مرمى الأوكرانيين
تمتد هذه المنطقية أيضًا إلى المجال البحري. حيث قامت الإدارة الرئيسية للاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية مؤخرًا بتحديث قائمة السفن المدنية التي تشارك، حسب قولها، في العدوان الروسي على أوكرانيا. وتضم القائمة الآن 51 سفينة، تحمل علم روسيا أو دول أخرى.
بالنسبة لكييف، هذه السفن ليست محايدة: فهي تساهم في الالتفاف على العقوبات، وتصدير النفط، والمنتجات النفطية، والأسلحة، وكذلك الموارد التي تم نهبها من الأراضي الأوكرانية المحتلة.
من دولة مستفيدة إلى فاعل هيكلي
وهكذا تظهر صورة جديدة لأوكرانيا. دولة ما زالت غارقة في حرب وجودية، لكنها ترفض أن تُعرف فقط بضعفها. دولة ما زالت تطلب المساعدة، ولكنها بدأت أيضًا في تقديم الإجابات، ونقل الخبرة، والانضمام إلى الهياكل الأمنية الإقليمية، والعمل على الآليات الاقتصادية التي تدعم العدوان الروسي.
هذا التحول ليس فقط عسكريًا. إنه سياسي، وصناعي، ودبلوماسي. ويقول إن أوكرانيا، في قلب الصراع، لم تعد تكتفي بالبقاء على قيد الحياة. بل تسعى لأن تصبح فاعلاً هيكليًا في أمن القرن الواحد والعشرين — في أوروبا كما في الشرق الأوسط.
نفوذ صُنع في الحرب
لم تعد أوكرانيا مجرد ساحة معركة. بل أصبحت تدريجيًا مرجعًا. وفي عالم يزداد ارتباطًا بين السلام في أوروبا واستقرار الشرق الأوسط، قد تؤثر هذه التطورات أكثر مما نتخيل.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية