في وقت تتواصل فيه فعاليات صالون الابتكار في الصناعات التقليدية بتونس، يعود ملف الحرف والصناعات التقليدية إلى واجهة النقاش الاقتصادي، لا باعتباره مجرد موروث ثقافي أو نشاط موسمي، بل كقطاع إنتاجي وتصديري بات يفرض حضوره تدريجيا داخل التوازنات المالية الوطنية.
وفي ظل جهود سلط الإشراف الرامية إلى دعم الحرفيين، وتوسيع قنوات الترويج، وتحسين تموقع المنتوج التونسي في الأسواق الخارجية، تبدو الصناعات التقليدية اليوم أمام لحظة إعادة تموقع حقيقية داخل الاقتصاد الوطني .
اخر الأرقام والاحصائيات المتاحة تعكس هذا التحول بهدوء ولكن بثبات، فالقطاع حقق 160 مليون دينار من الصادرات خلال سنة 2025، مع مساهمة تقدر بـ 4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي و 2 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية، وهي مؤشرات تؤكد أن الصناعات التقليدية لم تعد فقط واجهة للهوية الوطنية، بل أيضا رافعة تنموية ذات امتداد اقتصادي واجتماعي واسع .
300 ألف حرفي وشبكة إنتاج منتشرة في كامل البلاد
ما يمنح هذا القطاع ثقله الحقيقي هو اتساع قاعدته البشرية والجهوية، فالصناعات التقليدية في تونس تؤطر حوالي 300 ألف حرفي، إلى جانب 2500 مؤسسة تنشط في المجال، من بينها 650 مؤسسة مصدرة . كما يوفّر القطاع ما بين 4000 و6000 موطن شغل صناعي مباشر، فضلا عن مواطن الرزق غير المباشرة التي ترتبط بسلاسل التوريد والتسويق والخدمات المرافقة .
يجعل هذا الانتشار من الصناعات التقليدية قطاعا اقتصاديا ذا بعد اجتماعي وتنموي واضح، خاصة في الجهات الداخلية والمناطق التي يصعب فيها استقطاب الاستثمارات الصناعية الثقيلة. لذلك، فإن دعم هذا النشاط لا يندرج فقط في إطار المحافظة على التراث، بل يدخل أيضا ضمن سياسات التوازن الجهوي والاقتصاد المحلي .
صادرات تنمو… ولكن بتركيز جغرافي غير متوازن
سجلت صادرات الصناعات التقليدية التونسية خلال 2025 نموا بنسبة 11 بالمائة، وهو تطور إيجابي يعكس قدرة القطاع على التكيّف مع الطلب الخارجي، رغم محدودية الموارد وضعف التغطية الإعلامية والتجارية مقارنة بقطاعات تصديرية أخرى .
غير أن قراءة خريطة التصدير تكشف في المقابل عن تمركز واضح للأسواق المستقبلة، إذ تستحوذ أوروبا على 57 بالمائة من صادرات القطاع، تليها الولايات المتحدة بـ38 بالمائة، فيما لا تتجاوز حصة البلدان العربية 3 بالمائة، مع بوادر انفتاح تدريجي على السوق الإفريقية .
يبرز هذا التوزيع مفارقة لافتة، فبينما يحقق المنتوج التقليدي التونسي حضورا محترما في الأسواق الغربية، لا تزال فرص التوسع الإقليمي والإفريقي دون الإمكانات المتاحة. ومن هنا، تتعزز أهمية الجهود الرسمية الرامية إلى مرافقة المؤسسات الحرفية نحو تنويع وجهاتها التصديرية وتقليص ارتهانها لعدد محدود من الأسواق .
خشب الزيتون يقود القيمة المصدّرة
على مستوى المنتوج، تظل الصادرات التونسية في الصناعات التقليدية متمركزة حول عدد محدود من الاختصاصات ذات القيمة المضافة الأعلى. ويأتي خشب الزيتون في الصدارة بحصة تبلغ 44 بالمائة من إجمالي الصادرات، مع نمو سنوي في حدود 14بالمائة، مستفيدا من الطلب المتزايد على أدوات المطبخ والديكور والإكسسوارات ذات البعد الطبيعي والتصميمي .
وتحل صناعة الفخار والخزف في المرتبة الثانية بنسبة 25 بالمائة من الصادرات، وهي منتجات ترتبط أساسا بأقطاب تاريخية مثل نابل والمكنين وسجنان . أما الزرابي والنسيج التقليدي فتمثل 13 بالمائة من الصادرات، بما يعكس استمرار حضور هذا الاختصاص في المشهد التصديري رغم المنافسة القوية من المنتجات الصناعية منخفضة الكلفة .
كما بدأت منتجات التجميل والعناية الطبيعية في فرض مكانتها بحصة 8 بالمائة، مدفوعة بارتفاع الطلب الدولي على الصابون الطبيعي والزيوت النباتية ومنتجات العناية المستلهمة من التراث المحلي .
التكوين… رهان الجودة والانتقال إلى “المنتوج القابل للتصدير”
من بين المؤشرات اللافتة أيضا، تكوين حوالي 20 ألف شخص سنويا في اختصاصات مرتبطة بالصناعات التقليدية. ويشمل ذلك التأطير، التقنيات الحرفية، إضافة إلى التصرف والتسويق، بما يعكس وعيا متزايدا بأن مستقبل القطاع لن يُحسم فقط في الورشات، بل أيضا في قدرته على الاندماج داخل سلاسل القيمة الحديثة .
ويمثل هذا الربط بين مدارس الفنون والورشات التقليدية أحد أهم رهانات المرحلة، فالمعادلة المطلوبة اليوم ليست فقط حماية الحرفة، بل تحويلها إلى منتوج تنافسي يحترم المعايير الدولية من حيث الجودة والتغليف والتسويق، دون أن يفقد خصوصيته الثقافية .
ما يبرز حاليا، بالتوازي مع التظاهرات المهنية والاحتفالية التي يحتضنها معرض الصناعات التقليدية، هو أن هذا القطاع لم يعد قابلا للحصر في صورته الرمزية أو الفلكلورية بحكم انه قطاع إنتاجي حقيقي، يستثمر سنويا حوالي 20 مليون دينار، ويملك قابلية أكبر للصعود إذا ما توفرت له بيئة تمويل وتسويق أكثر نجاعة .
صحيح أن 160 مليون دينار من الصادرات تبقى بعيدة عن أوزان الصناعات الكبرى، لكن الصناعات التقليدية تمتلك ميزة نادرة في الاقتصاد المعاصر وهي القدرة على تحويل الهوية الثقافية إلى قيمة اقتصادية قابلة للتصدير وهو ما يمثل بالضبط الورقة التي تراهن عليها تونس اليوم في معركة التموقع داخل أسواق تبحث أكثر فأكثر عن الأصالة، والجودة، والقصة الكامنة وراء المنتوج .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية