آخر الأخبار

تونس : تحديات التكوين الجامعي أمام اقتصاد سريع التغير

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تشير البيانات الأخيرة إلى تصاعد ملموس في أعداد طالبي العمل في تونس، إذ ارتفع العدد الإجمالي من 117705 قبل عام 2021 إلى 130612 حالياً.

تعكس هذه المعطيات استمرار تفاقم أزمة البطالة بين حاملي الشهادات العليا اذ لا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل تُسلط الضوء على خلل هيكلي في منظومة التعليم العالي وعجزها عن توجيه الموارد البشرية نحو القطاعات الاقتصادية الأكثر طلباً.

هيمنة التخصصات العلمية والتقنية على البطالة

تستحوذ تخصصات العلوم والتقنيات على النسبة الأكبر من طالبي العمل، إذ تشكل 39,4% من الإجمالي، مقابل 30,3% لحاملي شهادات في إدارة الأعمال والقانون، و24,1% لخريجي الآداب والعلوم الإنسانية أي أن هذه التخصصات الثلاثة وحدها تغطي 93,8% من طالبي العمل، وهو مؤشر واضح على أن بعض الفروع العلمية، رغم أهميتها الأكاديمية، لا تتماشى مع متطلبات السوق.

في المقابل، تظهر تخصصات مثل الفلاحة والصيد البحري، والطب والعلوم الصحية، والسياحة والفندقة، وهي مجالات مطلوبة اقتصادياً، بنسب تمثيل منخفضة بين طالبي العمل. هذا الفارق بين العرض التعليمي والطلب الاقتصادي يكشف عن ضعف التوجيه المهني، ويطرح السؤال حول مدى نجاعة السياسات التعليمية في ربط التكوين بالوظائف المتاحة.

الفئات العمرية: الشباب غائب والكبار أكثر عرضة

توزع طالبي العمل بحسب الفئات العمرية يشير إلى أن الغالبية تقع بين 30-40 سنة (44,9%) و40-50 سنة (42,1%)، فيما لا يمثل الشباب من 20-30 سنة سوى 10,9% فقط. وعلى الرغم من أن هذه النسبة قد توحي بانخراط الشباب بسرعة في سوق العمل، إلا أن التحليل العميق يشير إلى احتمال عدم تسجيل العديد منهم ضمن نظام طالبي العمل، مما يقلل من دقة تقدير البطالة بين الفئة الشابة.

كما يعكس وجود نسب مرتفعة بين الفئات العمرية 40-50 سنة صعوبة إعادة التوجيه المهني أو التحول الوظيفي، وهو ما يؤكد أن البطالة في تونس ليست مجرد مرحلة مؤقتة، بل هي مشكلة هيكلية متجذرة تحتاج إلى معالجة طويلة الأمد.

حاملو الشهادات العليا: تحدٍ مزدوج

يظهر توزيع طالبي العمل حسب مستوى الشهادة أن حاملي شهادات الاجازة والماجستير هم الأكثر تضرراً، حيث يمثلون 95440 شخصاً من الإجمالي، وهو ما يشير إلى أن التعليم العالي وحده لا يكفي لضمان الإدماج في سوق العمل. هذا وتبرز الشهادات التقنية حضوراً قوياً بين الأعمار 30-50 سنة، في الوقت الذي يكون فيه حضور الهندسة والمعمارية معتدلا لكنه ملحوظا. أما الدكتوراه في الطب والصيدلة، فتسجل أدنى نسب البطالة، وهو أمر متوقع نظراً للتخصص والطلب المستمر على هذه الكفاءات.

وتؤكد هذه البيانات أن الخلل لا يكمن فقط في عدد الخريجين، بل في عدم ملاءمة مجالات الدراسة مع فرص العمل المتاحة، مما يضاعف تكلفة البطالة على الاقتصاد الوطني ويلقي بظلاله على الاستقرار الاجتماعي.

فجوة التكوين وسوق العمل

تحليل هذه الأرقام يكشف أن البطالة في تونس هي بطالة هيكلية، ليست ناتجة عن تقلبات اقتصادية قصيرة الأمد فحسب اذ يشير تراكم طالبي العمل في الفئات العمرية الأكبر إلى قصور في سياسات إعادة التأهيل والتكوين المستمر، فيما يمثل غياب الشباب في الإحصاءات إشارة إلى ضعف التتبع المهني بعد التخرج.

من منظور اقتصادي، هذه البطالة لها تكلفة مباشرة على ميزانية الدولة، سواء من خلال دعم طالبي العمل أو عبر فقدان الإنتاجية المحتملة لهذه الكفاءات. كما أنها تقلل من قدرة الاقتصاد على الابتكار وتعطل ديناميكيات السوق. لتجاوز هذا التحدي، توصي عدة تقارير متخصصة بإدماج السياسات الوطنية بين التكوين الأكاديمي واحتياجات السوق، عبر تطوير برامج تكوينية متخصصة، وتحفيز ريادة الأعمال والابتكار، وربط التعليم العالي بالقطاعات الاقتصادية الواعدة. كما أن تعزيز جمع وتحليل البيانات حول سوق العمل يعد خطوة ضرورية لضمان توجيه التكوين بشكل فعّال.

عموما، تشير البيانات إلى أن تونس تواجه تحدياً مزدوجاً بحكم وجود فائض في بعض التخصصات العلمية مقابل نقص في تخصصات حيوية مطلوبة، مع عدم كفاية آليات التوجيه المهني. وتتطلب معالجة هذا الخلل إصلاحاً هيكلياً للتكوين الجامعي والتدريب التقني والمهني، وربطه بواقع الاقتصاد الوطني، لضمان إدماج أفضل للخريجين وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا