آخر الأخبار

إسرائيل تتجاوز خطا أحمر و تثير صدمة تتجاوز العالم العربي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

هناك قرارات تشدد منطق النظام و هناك قرارات أخرى تشوهه.

و يندرج تصويت الكنيست، في 30 مارس 2026، على قانون يمهد الطريق لإقرار عقوبة الإعدام بحق بعض الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات دامية، ضمن الصنف الثاني.

و ينص النص على تنفيذ الحكم شنقا في أجل لا يتجاوز 90 يوما، كما يطبق في إطار يخضع فيه كثير من الفلسطينيين في الضفة الغربية أصلا لمحاكم عسكرية.

و في دولة احتلال لم تعد تطبق عقوبة الإعدام منذ عقود، باستثناء الحالة الاستثنائية لأدولف أيخمان سنة 1962، فإن الرسالة التي يبعث بها هذا القرار بالغة الخطورة.

ما يثير الصدمة ليس عقوبة الإعدام فقط، بل الفئة التي تستهدفها

لا يقتصر أثر هذا التصويت على تعديل الترسانة العقابية الإسرائيلية فحسب، بل يكشف عن منطق أكثر إثارة للقلق، يتمثل في عدالة بات يُعلن عنها بشكل متزايد باعتبارها غير متساوية بحسب هوية من تطاله.

فعمليا، يستهدف هذا القانون بالدرجة الأولى فلسطينيين يُحاكمون أمام جهات قضائية لا تخضع للقانون العام الإسرائيلي. وبالتالي، فهو لا يعيد فقط العمل بعقوبة الإعدام بشكل نظري، بل يضعها في صلب منظومة سبق أن وُجهت إليها انتقادات بسبب اختلالها البنيوي، حيث يمكن لسكان واقعين تحت الاحتلال أن يجدوا أنفسهم عرضة لعدالة استثنائية أشد قسوة وأسرع وأغلظ.

و هذا تحديدًا ما يجعل النص صادما إلى هذا الحد. فهو لا يقول فقط إن دولة ما تريد أن تعاقب بشدة، بل يقول إنها تقبل اليوم بأن تجعل من الموت القانوني أداة موجّهة، عمليا، ضد فئة محددة من المتقاضين.

قانون يصطدم مباشرة بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان

لقد جاءت الانتقادات الدولية فورية، وهي انتقادات ذات دلالة عميقة. فحتى قبل اعتماد النص، دعا خبراء من الأمم المتحدة إسرائيل إلى سحب هذا المشروع، معتبرين أنه يتعارض مع الحق في الحياة، ومبدأ عدم التمييز، والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. كما ذكّروا بأن المدنيين، كقاعدة عامة، لا ينبغي أن يُحاكموا في قضايا قد تفضي إلى الإعدام أمام محاكم عسكرية.

و عليه، فالمشكلة ليست أخلاقية فقط، بل قانونية أيضا. فعقوبة لا رجعة فيها، تُطبق ضمن إطار محل جدل، ضد فئة سكانية تخضع أصلا لنظام قضائي منفصل، تحول قانونا جزائيا إلى أداة قطيعة مع أبسط المعايير الأساسية لحقوق الإنسان.

و يُضاف إلى ذلك أسلوب التنفيذ المنصوص عليه: الشنق. وحتى على المستوى الرمزي، فإن هذا الاختيار مروّع، لأنه يحيل إلى عنف عقابي سعت ديمقراطيات عديدة، تحديدا، إلى استبعاده من أنظمتها القانونية.

الديمقراطية لا تسمو أبدا حين تجعل من الموت أداة حكم

يستند مؤيدو النص إلى منطق الردع والحزم والرد على العنف. لكن السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث لدولة تدّعي إعادة النظام عبر تطبيع الإعدام؟

لقد بدأت الأقنعة تتساقط. فحكومة الاحتلال، التي أرادت أن تقدم نفسها على أنها “الديمقراطية الوحيدة” في المنطقة، لم تستطع الحفاظ على هذا الزيف طويلا. فالديمقراطية الراسخة لا تحتاج إلى إضفاء طابع إجرائي على الموت كي تثبت سلطتها.

و حين تبدأ في فعل ذلك، فإنها لا تصبح أقوى، بل تكشف، على العكس، عن تدهور في علاقتها بالعدالة. لأن العدالة ليست انتقاما منظما. وعندما يبدأ نظام قانوني ما في إعطاء الانطباع بأنه يرتب قيمة الأرواح وفق هرمية معينة، فإنه يكف عن تجسيد الكوني، ويدخل منطقة أشد قتامة.

حتى في ضوء التقليد اليهودي، يبدو الحرج عميقا

في هذا الجانب أيضا، لا تبدو الأمور بالبساطة التي يريد البعض الإيحاء بها. نعم، عقوبة الإعدام موجودة في بعض النصوص القديمة في اليهودية. لكن التقليد الحاخامي أحاطها بشروط صارمة إلى حد جعل تطبيقها شبه مستحيل في الواقع.

و تفيد “المشنا” بأن مجلس السنهدرين الذي ينفذ حكم الإعدام في شخص واحد مرة كل سبع سنوات يمكن أن يُعد مجلسا مدمّرا، ووفق رأي آخر حتى مرة واحدة كل سبعين سنة.

كما يذكّر “التلمود” بأنه قبل أربعين سنة من تدمير الهيكل الثاني، كان الاختصاص في إصدار أحكام الإعدام قد توقف عمليا. وبعبارة أخرى، إذا كانت عقوبة الإعدام موجودة في النصوص، فإن تاريخ اليهودية الحاخامية قد شيّد حولها، أساسا، ثقافة تقوم على أقصى درجات التحفظ والشك والخوف من الخطأ الذي لا يمكن إصلاحه.

و في ضوء هذا الإرث، يصعب تقديم قانون حديث يقر الشنق ويستهدف الفلسطينيين بوصفه التعبير الطبيعي عن تقليد ديني. بل يبدو، بدرجة أكبر، كأنه توظيف معاصر للقوة القانونية.

هذا النص يقول شيئا أوسع عن زمننا

هذا التصويت يتجاوز الإطار الإسرائيلي الفلسطيني وحده. فهو يعكس أيضا لحظة عالمية تجد فيها المشاريع الأكثر تشددا، في كثير من الأحيان، طريقا سالكا أمامها. وكأن ما كان لا يمكن تصوره يفقد، شيئا فشيئا، صفته الاستثنائية ليصبح خيارا سياسيا كسائر الخيارات. وكأن السدود الأخلاقية والقانونية والرمزية، التي كان يفترض أن تكبح اللاإنساني، باتت اليوم أكثر هشاشة مما كانت عليه بالأمس.

وهذا ما يجعل هذا القانون مثيرا لكل هذا القلق. فهو لا يظهر في فراغ، بل يندرج في زمن تتقدم فيه لغة القوة، وتُعلن فيه الوحشية بسهولة أكبر، وتُمرر فيه أحيانا قرارات شديدة اللاإنسانية على أنها مظهر من مظاهر “الواقعية السياسية”.

لكن الأمر لا يتعلق بالواقعية، بل بالتراجع.

قانون لا يحمي العدالة بل يمعن في تقويضها

هذا النص، وهو يدّعي الرد على عنف شعب مضطهد ومن حقه، لا يفعل في الواقع سوى تعميق الهوة الأخلاقية والسياسية التي حفرها النزاع منذ زمن. فقانون للموت يُطبق ضمن إطار غير متكافئ إلى هذا الحد لا يصلح شيئا، ولا يهدئ شيئا، ولا يعيد لا لسلطة القانون هيبتها ولا للمؤسسات كرامتها، بل يوسّع، على العكس، دائرة ما لم يعد مقبولا.

و لهذا تحديدا يثير كل هذا الذهول. لأنه يحوّل الموت إلى أداة إدارية. ولأنه يرسخ داخل القانون منطق الفرز بين الأرواح. ولأنه يُدخل إلى القاموس القانوني لدولة حديثة جوابا ظل العالم الديمقراطي، في جزء كبير منه، يدفعه بعيدا طوال عقود.

و هكذا، فإن القانون الذي صوّت عليه الكنيست لا يمثل مجرد تشديد للعقوبات، بل يشكل شرخا. شرخا مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان. وشرخا مع فكرة العدالة المتساوية للجميع. وشرخا أيضا، في كثير من الجوانب، مع ذلك الحذر الشديد الذي انتهى التقليد الحاخامي نفسه إلى فرضه إزاء عقوبة الإعدام.

و لهذا تبدو هذه الخطوة صادمة إلى هذا الحد. لأنها توحي بأن بعض المشاريع الشريرة تجد أحيانا، في عالم اليوم، طريقا سريعا وممهدا أمامها.

و لأن إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، حين تجعل من الشنق جوابا قانونيا موجها، عمليا، ضد الفلسطينيين، فإنها لا تعزز حتى الانطباع الزائف بالعدالة، بل تدفع به أبعد نحو منطقة يتوقف فيها القانون عن حماية الإنسان، ليبدأ مرة أخرى في سحقه أمام أنظار العالم أجمع.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا