آخر الأخبار

مضيق هرمز : رهان أبوظبي المحفوف بالمخاطر في مواجهة إيران

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

هناك دول ترفع صوتها حين تشعر بأنها محمية. وهناك دول أخرى، على العكس، تختار المضي قدماً حتى وهي تدرك حجم هشاشتها الذاتية.

و هذا ما يجعل الموقف الحالي لدولة الإمارات العربية المتحدة بالغ الأهمية.

و بحسب وكالة «رويترز» نقلاً عن صحيفة فايننشال تايمز، فإن أبوظبي تبدي استعدادها للانضمام إلى قوة بحرية متعددة الجنسيات مهمتها إعادة فتح مضيق هرمز، كما تدفع نحو إنشاء «قوة أمن هرمز».

للوهلة الأولى، تبدو الفكرة بسيطة: تأمين ممر حيوي للاقتصاد العالمي. لكن عند التمعن أكثر، تكشف المبادرة الإماراتية عن أمر أكثر إثارة للقلق. فالإمارات تقدم على مخاطرة جدية، رغم أن دوافعها العميقة لا تبدو واضحة بالكامل.

مضيق حيوي… ومخاطر هائلة

مضيق هرمز ليس ممراً بحرياً عادياً كسائر الممرات. فـ«رويترز» تذكّر بأن نحو 20 في المئة من النفط والغاز العالميين يمران عبره، ما يجعله أحد أكثر النقاط حساسية على وجه الأرض من الناحية الطاقية.

و عندما يتعطل هذا الممر، لا تتباطأ فقط ناقلات النفط، بل تبدأ أيضاً الأسعار، والتأمينات، وسلاسل الإمداد العالمية، وثقة الأسواق، في الاهتزاز.

و بالنسبة إلى الإمارات، فإن الرهان أكثر مباشرة. فقوتها تستند إلى انسيابية التبادلات التجارية، وسمعة موانئها المستقرة، وسرعة ارتباطاتها، ومكانتها كمنصة إقليمية آمنة. وبعبارة أخرى، فإن شلّ حركة هرمز لا يهدد فقط صادراتها، بل يهدد صميم نموذجها الاقتصادي نفسه.

الإمارات لا تتحدث من موقع مريح

هنا يبدأ التناقض الحقيقي. فبحسب «رويترز»، تُعدّ الإمارات من بين دول الخليج الأكثر تضرراً من الأزمة الحالية. وبالتالي، فإن موقفها لا يصدر عن طرف بعيد عن الخطر، بل عن دولة مكشوفة بالفعل، ومتأثرة سلفاً بتدهور الأوضاع.

و مع ذلك، وبدلاً من الانكفاء إلى الحذر المحض، اختارت أبوظبي التقدم. فهي لا تكتفي بالدعوة إلى خفض التصعيد، بل تدفع نحو آلية دولية ملموسة، بالتنسيق مع البحرين، وتدافع حتى عن فكرة استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، رغم احتمال استخدام روسيا أو الصين حق النقض.

و هذا تحديداً ما يمنح موقفها كل هذا الثقل: فعندما يقبل طرف معروف بالحذر على تعريض نفسه لمزيد من الانكشاف، فهذا يعني عادة أنه بات يرى أن مخاطر الإبقاء على الوضع القائم أصبحت هي نفسها غير قابلة للتحمل.

رسمياً الهدف حماية التجارة… لكن المشهد يبدو أكثر تعقيداً في الكواليس

الدافع المعلن واضح : إعادة فتح هرمز، وحماية الملاحة، وتأمين تدفقات الطاقة، ومنع الأزمة من أن تترسخ على المدى الطويل. وفي هذا الجانب، يبدو الخطاب الإماراتي متماسكاً ومفهوماً.

لكن ما إن نتجاوز هذا التبرير المباشر، حتى يعود الضباب من جديد. فهل تريد الإمارات فقط الدفاع عن اقتصادها؟ أم إنها تسعى إلى توجيه رسالة حزم إلى إيران؟ وهل تريد التموضع بشكل أوضح إلى جانب واشنطن في لحظة لا يزال فيها عدد من الشركاء مترددين؟ أم إنها تحاول إطلاق مبادرة دبلوماسية قبل أن تفرض قوى أخرى إطارها الخاص؟ هذه العناصر تندرج ضمن نطاق التحليل : فالوقائع العلنية تثبت وجود المبادرة الإماراتية، لكنها لا تسمح بترتيب جميع دوافعها الحقيقية بيقين كامل.

و هنا تكمن خصوصية اللحظة.

فالإمارات تعرض خطاً واضحاً على مستوى الهدف، لكنها تُبقي في الوقت نفسه جزءاً من الغموض حول المنطق العميق الذي يدفعها إلى تحمل مثل هذه المخاطرة.

موقف أكثر هجومية من مواقف كثير من الشركاء

قد يكون من المبالغة القول إن أبوظبي تتحرك بعكس العالم العربي أو الإسلامي تماماً. فدول الخليج الأكثر تعرضاً للخطر تشترك في القلق نفسه بشأن أمن التدفقات وتداعيات اضطراب هرمز الطويل على الاقتصاد. والبحرين، على سبيل المثال، تدعم التوجه نفسه نحو إطار دولي.

لكن في المقابل، يبدو الموقف الإماراتي أكثر اندفاعاً ووضوحاً من مواقف أطراف كثيرة أخرى. وتشير «رويترز» إلى أن عدداً كبيراً من حلفاء الولايات المتحدة ما زالوا مترددين في نشر قدرات بحرية ما دامت الحرب الجارية لم تنته بعد.

أما فرنسا، فقد أجرت بالفعل مشاورات مع نحو 35 دولة، لكنها شددت على مهمة دفاعية بحتة، مصممة لمرحلة ما بعد النزاع، تبدأ أولاً بإزالة الألغام ثم بتأمين ناقلات النفط.

و هذا الاختلاف في النبرة أساسي للغاية. فهو يُظهر أن الإمارات ليست وحدها، لكنها تتحرك بسرعة أكبر وبصراحة أكبر من كثيرين غيرها.

الاشتباه في وجود تقاطع مع إسرائيل قائم… لكن لا شيء يثبته مباشرة

في مثل هذا السياق، سيعتبر بعضهم حتماً أن هذه المبادرة تتقاطع مع المصالح الإسرائيلية، لأن أي تأمين دولي لمضيق هرمز يقلّص قدرة إيران على الضغط. وهذه القراءة السياسية موجودة، وهي ليست بلا وجاهة.

لكن ينبغي التزام الدقة. فالمعطيات العلنية التي أوردتها «رويترز» تُظهر قبل كل شيء أن الإمارات تدافع عن مصالحها الحيوية الخاصة: حماية تدفقات الطاقة، والحفاظ على صورتها كمركز إقليمي، وتجنب زعزعة طويلة الأمد لبيئتها الاقتصادية.

و لا شيء، في هذه المرحلة، يسمح بالجزم بأن إسرائيل تملي هذه الخطوة أو تديرها. فقد يكون هناك تقاطع في المصالح من دون أن يعني ذلك الخضوع لأجندة خارجية.

في المحصلة… يبدو أن أبوظبي تخوض رهانا

يبدو أن الرهان الإماراتي يقوم على الآتي: نعم، إن أي مبادرة دولية حول هرمز قد تزيد من خطر التوتر مع إيران، لكن الامتناع عن فعل أي شيء قد يكون أكثر خطورة.

و هذه الخلاصة تبقى استنتاجاً، لكنها منسجمة مع الأهمية الحيوية للمضيق بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، ومع المكانة المركزية التي تحتلها الاستقرار التجاري في عناصر القوة الإماراتية.

و بعبارة أخرى، فإن الإمارات تخوض مخاطرة جدية لأنها تبدو مقتنعة بأنها لم تعد تملك ترف الانتظار. فموقفها لا يشبه خطوة أيديولوجية، بل يبدو أقرب إلى قرار دولة تشعر بأن الأزمة باتت تهدد ليس فقط أمنها، بل أيضاً الأساس الاقتصادي الذي بنت عليه نجاحها.

و هكذا، فإن هذا الملف يتجاوز في جوهره مجرد قضية هرمز. فهو يقول شيئاً عن الخليج اليوم. فالدول الأكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي هي أيضاً الأكثر عرضة للخسارة عندما تستقر الحرب في طرق الملاحة البحرية.

لقد بنت الإمارات قوتها على الحركة، والثقة، والسرعة، وقابلية التوقع. ولذلك، فإن رؤيتها اليوم تدفع نحو بنية جماعية للأمن يشكل إشارة قوية للغاية.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا