العبارة قاسية، تكاد تكون مسرحية. إذ يؤكد دونالد ترامب أنّه «مع موت إيران»، يصبح الحزب الديمقراطي العدو الأكبر لأمريكا، واصفا إياه بأنه يسار راديكالي، عاجز ومضرّ.
و بعيدا عن الاستفزاز، فإن هذا التصريح يستحق أن يُقرأ من زاوية ما يكشفه فعلا: فهو ليس مجرد عبارة انتخابية، بل لحظة سياسية تنزلق فيها الحرب الخارجية نحو حرب داخلية على مستوى السردية.
فعندما يختار رئيس منخرط في نزاع ثقيل الكلفة، معقّد ومفتوح على كل الاحتمالات، أن ينقل فجأة مركز النقاش إلى خصومه في الداخل، فإن الأمر لا يكون أبدا تفصيلا عابرا. فهو يقول شيئا عن حال الحرب، وعن حال السلطة، وعن حال البلاد أيضا.
عبارة تبدو أقل انتصارا وأكثر اعترافا بالتوتر
للوهلة الأولى، قد يُفهم هذا التصريح على أنه تعبير عن قوة منتصرة. لكن في الواقع، يبدو أقرب إلى علامة تشنج واضطراب. فالرئيس الذي يسيطر تماما على الوضع لا يحتاج إلى تسمية عدو داخلي بهذه السرعة. إنه يفرض نتائجه، ولا يحتاج إلى تغيير هدفه.
لكن ما يلفت هنا هو هذا التحول الواضح: إيران، بوصفها العدو الخارجي، تتراجع إلى المرتبة الثانية في الخطاب، ليبرز مكانها الخصم الداخلي، أي الحزب الديمقراطي. وهذه الإزاحة ليست أمرا عاديا، بل تعكس أن المعركة الحقيقية، خارج الميدان العسكري، أصبحت سياسية وإعلامية وانتخابية. وبعبارة أخرى، لم يعد الرهان مقتصرا على ما يجري في الشرق الأوسط، بل صار متصلا بما تنتجه هذه الحرب في قلب أمريكا.
تحويل حرب معقدة إلى مواجهة أبسط
الآلية معروفة، لكنها تظل فعّالة إلى حد كبير. فعندما تصبح الحرب صعبة التسويق، أو باهظة الكلفة، أو طويلة أكثر من اللازم، أو غامضة الأهداف، تسعى السلطة غالبا إلى تبسيط الرواية. وأسهل طريقة لفعل ذلك هي تعيين مسؤول داخلي.
فبدلا من الإجابة عن الأسئلة الأكثر إحراجا: كم تكلّف هذه الحرب؟ إلى أين يمكن أن تصل؟ ماذا تريد Washington فعلا؟ وأين تقف حدود التصعيد؟ يُعاد توجيه النقاش نحو معارضة تحوّلت، في السردية الترامبية، إلى خطر يفوق حتى العدو الخارجي.
إنها طريقة لنقل الحديث من تناقضات الحرب إلى أولئك الذين يضعفـون أمريكا من الداخل، بحسب Trump. وهكذا يتراجع النقاش الاستراتيجي ليحل محله نوع من الدراما الأخلاقية. فالحرب لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضا هووية وحزبية وعاطفية.
مناورة لصرف الانتباه… ولكن أيضا غريزة بقاء سياسي
سيكون من التبسيط اختزال هذا التصريح في مجرد مبالغة لفظية. فهو يندرج أيضا ضمن منطق البقاء السياسي. فعندما يبدأ النزاع في الضغط على المالية العامة، وعلى أسعار الطاقة، وعلى التضخم، وعلى مزاج الناخبين، تصبح House Blanche في حاجة إلى استعادة زمام السردية.
إن تصوير الديمقراطيين باعتبارهم العدو الرئيسي يتيح لترامب إعادة تشكيل المشهد. فلم يعد السؤال هو ما إذا كانت الحرب نجاحا أم فخا أم عبئا، بل من الذي ما يزال يدافع عن عظمة أمريكا، ومن الذي يعمل على تخريبها.
و توفر هذه البلاغة ميزتين في آن واحد: فهي تعيد شدّ القاعدة الترامبية حول خصم مألوف، كما تسمح بتفادي نقاش أكثر إزعاجا حول النتائج الملموسة للحرب. ومن هذا المنظور، لا تبدو العبارة مجرد هجوم على الديمقراطيين، بل أيضا وسيلة للهروب من محاكمة العواقب.
عودة العدو الداخلي
أكثر ما يلفت الانتباه هنا هو العودة المعلنة إلى منطق سياسي أمريكي قديم: منطق العدو الداخلي. ففي هذا الإطار، لا تعود المعارضة بديلا ممكنا، ولا حتى خلافا مشروعا، بل تتحول إلى تهديد وجودي.
المشكلة ليست فقط في النبرة، بل في ما ترسخه هذه النبرة. فعندما يشرح رئيس، في الجوهر، أن خصومه السياسيين يشكلون الخطر الأكبر على الأمة، فهو لا يسعى فقط إلى الإقناع، بل إلى نزع الشرعية.
و هذا التحول ثقيل التبعات، لأنه يزيد من حدة المناخ السياسي، ويضيّق مساحة النقاش العقلاني، ويدفع كل معسكر إلى النظر إلى الآخر لا باعتباره منافسا ديمقراطيا، بل خطرا يجب تحييده.
ما الذي تقوله هذه العبارة أيضا عن ترامب ؟
يقول هذا التصريح الكثير عن ترامب نفسه. فهو يعيد التذكير بمنهجه الدائم: التبسيط إلى أقصى حد، وتشخيص الصراع، ونقل التوتر نحو مواجهة ثنائية، وتحويل كل تعقيد إلى مبارزة مباشرة.
و أمام حرب تبدو أهدافها متحركة، وكلفتها أكثر وضوحا يوما بعد يوم، يعود Trump إلى أرضه المفضلة: الاستقطاب الداخلي. هناك تحديدا يكون الأقوى، وهناك يستعيد ردود فعله، وطاقته، ووضوحه السياسي.
و بعبارة أخرى، عندما تصبح الجيوسياسة أكثر ضبابية، يعود Trump إلى الحرب الثقافية. وعندما يصعب التحكم في الجبهة الخارجية، يعيد تفعيل الجبهة الداخلية. إنها طريقته في استعادة زمام المبادرة.
عبارة تمهّد للمعركة الانتخابية المقبلة
لا ينبغي قراءة هذا التصريح بوصفه مجرد تعليق على الأحداث الجارية، بل ينبغي قراءته أيضا باعتباره عبارة انتخابية. فهو يهيّئ الأرضية، ويرسم الخط، ويحدد العدو.
ففي أمريكا اليوم، تنتهي كل حرب خارجية تقريبا إلى الترجمة في شكل مواجهة داخلية. وTrump يدرك ذلك جيدا. لذلك لا يقتصر هدفه على الحديث عن إيران، بل يسعى إلى تحويل النزاع إلى حجة انتخابية ضد الديمقراطيين، مع اقتراب استحقاقات سياسية حاسمة.
و هذا يعني أن الملف الإيراني لن يُحاكم فقط على أساس نتائجه العسكرية، بل أيضا من خلال مردوده السياسي الداخلي. وعلى هذا الصعيد، يسعى Trump منذ الآن إلى فرض قراءته : فإذا ساور الشك البلاد، وإذا ارتفعت الأسعار، وإذا تصاعد الإرهاق، فإن المسؤولية – وفق هذه القراءة – لا تقع على الحرب نفسها بقدر ما تقع على من يعارضون إدارتها.
ما الذي ينبغي فهمه فعلا؟
في العمق، تختزل هذه العبارة عدة رسائل في حركة واحدة. فهي تعكس أولا توترا أكثر مما تعكس طمأنينة. وتُظهر ثانيا أن الحرب أصبحت أيضا مشكلة داخلية بالنسبة إلى ترامب. وتؤكد أخيرا أن الاستقطاب يظل، أكثر من أي وقت مضى، سلاحه السياسي المركزي.
لذلك يجب الإصغاء إلى هذا التصريح لا باعتباره مجرد مبالغة إضافية، بل بوصفه إشارة. إشارة إلى سلطة تشعر بأن الحرب الخارجية لم تعد كافية لصناعة إجماع دائم. وإشارة إلى رئيس، في غياب مخرج واضح وغير قابل للطعن، يختار أن يعيد إلى العدو الداخلي كل ثقله السياسي.
وربما يكون هذا، في نهاية المطاف، هو التحول الحقيقي: فالصراع مع إيران لم يعد مجرد مسألة صواريخ، أو نفط، أو استراتيجية إقليمية، بل أصبح حلقة إضافية في الانقسام الأمريكي نفسه.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية