آخر الأخبار

صوت عُمان الذي يشقّ ضجيج الحرب

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

هناك نصوص دبلوماسية تحاول ألا تُغضب أحداً. وهناك نصوص أخرى تقرّر، بهدوء، أن تقول الحقيقة كما يراها من حاول منع الأسوأ.

المقال الذي نشره في 18 مارس 2026 وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، في مجلة The Economist، ينتمي إلى هذه الفئة الثانية. حتى عنوانه يحدد النبرة: دعوة لأصدقاء الولايات المتحدة لمساعدتها على الخروج من حرب يصفها بأنها غير شرعية.

بالنسبة لرئيس دبلوماسية في منصبه، في شرق أوسط غالباً ما تحكمه الحيطة في التعبير، يُعدّ هذا الموقف نادراً. وهو بالضبط ما يمنح هذا النص ثقله التاريخي.

مقال يكسر اللغة الدبلوماسية المعتادة

أول ما يلفت الانتباه هو النبرة. يتحدث بدر البوسعيدي عن الحرب بوصفها “كارثة”، ويؤكد أن إدارة ترامب “فقدت السيطرة على سياستها الخارجية”.

في منطقة يفضّل فيها كثير من القادة العبارات الحذرة، والتوازنات الشكلية، والالتباسات المحسوبة، تبدو هذه الصراحة لافتة. فهي لا تشبه شعاراً ولا موقفاً استعراضياً، بل أقرب إلى كلام رجل دولة يرى أن الصمت الدبلوماسي، عند مستوى معيّن من الخطورة، يتحوّل بحد ذاته إلى خطأ.

هذه الصراحة تميّزه. ليس لأن عُمان هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تسعى إلى خفض التصعيد، بل لأن مسقط اختارت أن تعلن ذلك علناً، وبكلمات مُلزمة.

في بضعة أسطر، لا يكتفي البوسعيدي بالتأسف على الحرب، بل يسمّيها، ويتّهم، ويعيد وضعها ضمن سلسلة من المسؤوليات. وهذا ما يجعل مقاله مهماً إلى هذا الحد: فهو لا يعلّق على التاريخ بعد وقوعه، بل يحاول ما زال تصحيحه.

هذا التحليل يستند إلى التباين بين لغته المباشرة والتحفّظ الدبلوماسي المعتاد في المنطقة.

جوهر أطروحته: السلام كان لا يزال ممكناً

مضمون النص أكثر ثقلاً من نبرته. يؤكد البوسعيدي أن اتفاقاً تفاوضياً بين واشنطن وطهران لتجنّب الحرب “كان يبدو ممكناً فعلاً”. بل يشير إلى أن الولايات المتحدة وإيران كانتا “على وشك اتفاق حقيقي” مرتين خلال الأشهر التسعة الماضية، بما في ذلك في يونيو 2025، قبل أن تُكسر هذه الديناميكية.

كما يذكّر بأنه ساهم شخصياً في تيسير جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة، أُعيد إطلاقها في عُمان في 6 فبراير 2026، واستمرت حتى جولة أخيرة في جنيف يوم 26 فبراير. وبحسبه، ففي اللحظة نفسها التي بدأ فيها هامش سياسي جديد يتشكل، جاءت الحرب لتغلق الباب.

ربما تكون هذه الفقرة الأكثر إرباكاً في مقاله. فإذا كان السلام لا يزال ممكناً، فإن الحرب لا يمكن تقديمها كحتمية. بل تعود لتكون خياراً. وعندها يتغيّر كل شيء: تتصدع رواية الضرورة القصوى، وتفقد حجة الحتمية قوتها، وتزداد مسؤولية من اختاروا التصعيد ثقلاً.

هذا الاستنتاج ينبع من المعطيات التي قدّمها البوسعيدي حول وضع المفاوضات قبيل اندلاع الحرب.

اتهام محوري: واشنطن انجرت إلى الحرب

خط القوة الآخر في المقال واضح. يرى البوسعيدي أن الخطأ الأكبر للإدارة الأمريكية كان في الانجرار إلى هذه الحرب. ويؤكد أنها ليست حرب الولايات المتحدة، ولا يوجد أي سيناريو معقول يمكن أن يحقق فيه كل من إسرائيل والولايات المتحدة ما يعلنان أنهما يسعيان إليه.

إنها ملاحظة قاسية، لكنها أيضاً تنطوي على قدر كبير من البصيرة الاستراتيجية: فهي تعني أن الحرب قد تدمّر أكثر مما تحل، وقد تفتح مرحلة لا يتحكم حتى داعموها في مآلاتها.

تكتسب هذه الفكرة أهميتها لأنها صادرة عن وسيط، لا عن ناشط. فسلطنة عُمان لا تتحدث من هامش عاطفي للنزاع، بل كانت قناة للحوار، ودولة مُيسّرة، وطرفاً استثمر رصيداً دبلوماسياً في إمكانية التوصل إلى اتفاق.

عندما يقول وزيرها إن واشنطن انجرت إلى الحرب، فذلك ليس شعاراً معادياً لأمريكا، بل خلاصة مريرة لطرف تابع عن كثب انغلاق نافذة الدبلوماسية. ويستند هذا التفسير إلى الدور المعروف لعُمان في تسهيل المحادثات الأمريكية-الإيرانية.

إسرائيل محرّك التصعيد وفق مسقط

لا يتوقف البوسعيدي عند هذا الحد. فهو يوجّه أيضاً انتقاداً للقيادة الإسرائيلية، متهماً إياها بإقناع دونالد ترامب بأن استسلاماً غير مشروط سيتبع سريعاً الضربة الأولى واغتيال المرشد الأعلى الإيراني.

إنه اتهام سياسي كبير، تزداد قوته لصدوره عن مسؤول عربي في منصبه، لا عن تعليق خارجي. وهو يعني، في جوهره، أن عُمان لا ترى هذه الحرب مجرد تسلسل ميكانيكي للردود، بل نتيجة قرار استراتيجي تغذّى من قراءة خاطئة لإيران ومن رهان مبالغ فيه على انهيار سريع لطهران.

مرة أخرى، يلفت المقال الانتباه بوضوحه. فكثير من المسؤولين الإقليميين يتحدثون عن خفض التصعيد دون تسمية العوامل التي جعلت التصعيد ممكناً. أما البوسعيدي، فيسمّيها.

وهذا ما يجعل نصه شجاعاً: فهو لا يسعى فقط إلى الحفاظ على المستقبل الدبلوماسي، بل إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر توضيح كيف وصلنا إلى هنا. وفي زمن الحسابات الضيقة، تبدو هذه الصراحة ذات قيمة أخلاقية لافتة.

“أصدقاء أمريكا مسؤولون عن قول الحقيقة”

ربما تكون أقوى عبارة في المقال هي هذه: أصدقاء أمريكا مسؤولون عن قول الحقيقة.

في هذه الجملة تكمن الفكرة كلها. فالبوسعيدي لا يتحدث كخصم لواشنطن، بل كصديق ناقد. وهو يوحي بأن الصداقة، في لحظات معينة من التاريخ، لا تعني التصفيق، بل منع الشريك من الغرق في خطأ أكبر.

إنها رؤية صارمة للدبلوماسية، تكاد تكون أخلاقية في بنيتها: فالمساعدة هنا لا تعني الاتباع، بل تعني قول “لا” عند الضرورة.

تمنح هذه العبارة المقال بُعداً يتجاوز الملف الإيراني، لتطرح تصوراً أوسع للمسؤولية الدولية. ففي نظام إقليمي كثيراً ما يتسم بالتفكك والخوف والاعتمادات الأمنية والحسابات الآنية، يقترح البوسعيدي موقفاً مختلفاً: موقف دولة تختار ألا تتخلى عن الحقيقة الدبلوماسية حتى عندما تصبح مكلفة.

وهذا ما يجعل النص ليس مجرد نقد، بل درساً.

لماذا سيبقى هذا المقال في التاريخ

في أزمنة الحرب، هناك وثائق تُنسى سريعاً، وأخرى تبقى. وهذا المقال مرشح لأن يكون من الفئة الثانية.

أولاً، لأنه يوثّق لحظة يعلن فيها وسيط إقليمي علناً أن السلام لم يكن قد مات عندما بدأت القنابل تتساقط. وثانياً، لأنه يقدّم سردية بديلة مدعومة بالحجج من طرف فاعل مركزي في المفاوضات. وثالثاً، لأنه يذكّر بأن ليس الجميع في الشرق الأوسط قبلوا الخلط بين الحذر والصمت.

يزداد هذا الموقف أهمية لأن عُمان التزمت منذ بداية الأزمة بخط واضح. ففي 1 مارس، أكدت وزارة الخارجية العُمانية أنه رغم التصعيد، لا يزال باب الدبلوماسية مفتوحاً، وأن محادثات جنيف أحرزت تقدماً حقيقياً نحو اتفاق غير مسبوق بين إيران والولايات المتحدة.

وبعد أيام، أشار البوسعيدي أيضاً على منصة X إلى تلقيه رسائل دعم عديدة من مختلف أنحاء العالم لجهود عُمان لوقف الحرب. وهذا لا يعني وجود إجماع عالمي، لكنه يدل على أن موقفه لقي صدى يتجاوز مسقط.

مقال إيجابي بالمعنى الأسمى

نعم، هذا المقال إيجابي. ليس لأنه متفائل بسذاجة، بل لأنه يرفض الاستسلام للحتمية. فهو يتحدث عن حرب، وعن فشل، وعن فرصة ضائعة. لكنه يظل إيجابياً لأنه يؤكد أن طريقاً آخر كان ممكناً.

إنه يذكّر بأن الدبلوماسيين ليسوا محكومين بالاكتفاء بوصف الخراب. ويقول، ضمناً، إن التاريخ لم يُصادر بالكامل بعد لصالح العسكر.

وسط ضجيج الضربات والردود واستعراض القوة، تحمل كلمات بدر البوسعيدي شيئاً نادراً: بوصلة. فهي لا تنكر عنف اللحظة، لكنها ترفض أن تتحول الحرب إلى اللغة الوحيدة للواقع.

وهذا ما يمنح هذا المقال قيمة خاصة في التاريخ الجاري كتابته: فهو يذكّر بأنه حتى في قلب الأزمة، لا يزال هناك من يفضّل الحقيقة على الاصطفاف، والبصيرة على الضجيج، والسلام على هيبة المواقف.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا