تشهد المالية العمومية في تونس مرحلة دقيقة تتسم بتزايد الضغوط الخارجية والداخلية، في ظل تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية.
ومع ذلك، تحافظ الدولة على التزامها بتنفيذ الزيادات المبرمجة في الأجور لفائدة الموظفين، في خطوة تعكس حرص السلطات على دعم القدرة الشرائية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي رغم التحديات المالية القائمة.
التزام مالي واضح لدعم الأجور
برمجت الحكومة التونسية ضمن قانون المالية للسنة الجارية اعتمادات تناهز900 مليون دينار مخصصة لتمويل الزيادة في أجور أكثر من670 ألف موظف في القطاع الحكومي. ومن المنتظر أن يتم تحديد نسبة الزيادة رسمياً عبر أمر حكومي يصدر خلال الفترة القادمة، على أن تشمل الزيادة أيضاً القطاع الخاص وفق النسبة نفسها.
ويمثل هذا القرار جزءاً من برنامج زيادات تدريجية في الأجور وجرايات المتقاعدين يمتد إلى سنة 2028، بما يعكس توجهاً حكومياً للحفاظ على التوازن بين المتطلبات الاجتماعية والالتزامات المالية للدولة.
وتأتي هذه الزيادات في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للموظفين، الأمر الذي يجعل من هذه الزيادة أداة لدعم الطلب الداخلي وتحريك الدورة الاقتصادية.
ضغوط خارجية على ميزانية الدولة
رغم هذا الالتزام، تواجه المالية العمومية تحديات متزايدة مرتبطة خصوصاً بتقلبات أسعار الطاقة والمواد الغذائية في الأسواق العالمية. وقد بنت الحكومة تقديراتها في ميزانية2026 على فرضية سعر للنفط في حدود 63.3 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يسمح، من حيث المبدأ، بالتحكم النسبي في نفقات الدعم الطاقي.
غير أن استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع، ما قد ينعكس مباشرة على نفقات الدولة، خاصة في ما يتعلق بدعم المحروقات والقمح والطاقة. وتظل هذه النفقات من أكثر بنود الميزانية حساسية نظراً لارتباطها المباشر بالاستقرار الاجتماعي.
إدارة دقيقة للتوازنات المالية
في هذا السياق، تعمل السلطات العمومية على إدارة دقيقة لمعادلة معقدة تقوم على ثلاث أولويات أساسية : الحفاظ على التوازنات المالية، دعم القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان استمرارية الدعم للمواد الأساسية.
وتشير المعطيات الواردة في قانون المالية إلى أن كتلة الأجور بلغت نحو 25.3 مليار دينار خلال السنة الحالية، مقابل24.4 مليار دينار في السنة الماضية، مما يعكس ارتفاعاً ملحوظاً في هذا المحور الذي يعد من أكبر مكونات الإنفاق العمومي.
كما خصصت الدولة1.8 مليار دينار للنفقات الطارئة، بهدف توفير هامش تحرك إضافي للتعامل مع التقلبات الاقتصادية المحتملة، وذلك بالتوازي مع جهود تعزيز الموارد الجبائية وتقليص الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
دعم الطبقة الوسطى كخيار اقتصادي واجتماعي
تكتسي الزيادة في الأجور أهمية خاصة في ظل التحولات التي عرفها النسيج الاجتماعي في تونس خلال السنوات الأخيرة. فالدراسات الاقتصادية تشير إلى أن الطبقة الوسطى التي كانت تمثل نحو 60% من السكان تقلصت إلى حوالي 30% فقط، نتيجة ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
ويجعل هذا الواقع من السياسات الداعمة للدخل عاملاً أساسياً للحفاظ على التوازن الاجتماعي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، خاصة أن الطبقة الوسطى تمثل تقليدياً المحرك الأساسي للاستهلاك والاستثمار الداخلي.
في مستوى اخر ولمواجهة الضغوط المتزايدة على الميزانية، يرجح أن تعتمد الحكومة مزيجاً من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز مرونة المالية العمومية، مثل تحسين تعبئة الموارد الجبائية، وترشيد النفقات، إلى جانب مواصلة إصلاح منظومة الدعم تدريجياً بطريقة تحافظ على الفئات الأكثر هشاشة.
كما تسعى السلطات إلى تفادي الخيارات الاجتماعية الصعبة، مثل الرفع في أسعار الطاقة، والعمل في المقابل على امتصاص الصدمات الخارجية عبر سياسات مالية متوازنة.
استمرارية الالتزام الاجتماعي للدولة
يعود آخر اتفاق للزيادة في الأجور إلى سبتمبر 2022، وقد أفضى إلى زيادات تدريجية شملت سنوات 2023 و2024 و2025 . ويأتي تنفيذ الزيادة الجديدة ضمن مسار يهدف إلى إرساء المزيد من الاستقرار في العلاقات المهنية والمالية.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية، يمثل قرار صرف الزيادة في الأجور رسالة واضحة مفادها أن الدولة التونسية تضع البعد الاجتماعي ضمن أولوياتها، مع الحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على استدامة المالية العمومية.
وبين ضغوط الأسواق العالمية ومتطلبات الاستقرار الداخلي، يبدو أن الحكومة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الانضباط المالي والالتزام الاجتماعي، بما يضمن استمرار دعم القدرة الشرائية للموظفين وتعزيز الثقة في السياسات الاقتصادية للدولة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية