تبدو القصة للوهلة الأولى شبه مفارِقة: رجل أُدين بتهم تتعلق بالإرهاب يتلقى، على مرّ السنوات، مئات الآلاف من اليوروهات من الدولة نفسها التي حاكمته. غير أنّ خلف هذا العنوان الذي قد يثير الدهشة، تكمن قضية قضائية معقّدة تتداخل فيها ملفات الإرهاب الدولي، وتسليم مطلوبين مثير للجدل، وقرارات صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
في صلب هذه القضية يقف نزار الطرابلسي، لاعب كرة قدم تونسي سابق تحوّل في مطلع الألفية إلى أحد الأسماء المرتبطة بالجهادية الدولية. وقد أُدين في بلجيكا بتهمة التخطيط لاعتداء على قاعدة عسكرية أمريكية، ليجد نفسه اليوم في قلب نزاع قضائي طويل انتهى بإلزام الدولة البلجيكية بدفع أكثر من 600 ألف يورو له.
قبل أن يقترن اسمه بالإرهاب، كان نزار الطرابلسي قد خاض مسيرة رياضية في كرة القدم. وُلد في تونس ولعب خلال تسعينيات القرن الماضي في عدد من الأندية الأوروبية، ولا سيما في ألمانيا.
غير أنّ مسيرته تغيّرت جذرياً مع بداية الألفية. ففي عام 2001 أُلقي القبض عليه في بلجيكا في إطار تحقيق واسع لمكافحة الإرهاب مرتبط بشبكة تنظيم القاعدة.
واتهمه المحققون حينها بالتحضير لهجوم انتحاري يستهدف قاعدة كلاينه-بروغل الجوية الواقعة شمال بلجيكا. وتُعرف هذه القاعدة باحتضانها منشآت عسكرية استراتيجية تستخدمها الولايات المتحدة في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي عام 2004 أصدرت العدالة البلجيكية حكماً بسجن نزار الطرابلسي عشر سنوات بتهمة الإعداد لاعتداء إرهابي.
بعد أن أنهى عقوبته في بلجيكا، أخذت القضية بعداً دولياً.
فقد طلبت الولايات المتحدة تسليمه لمحاكمته على أراضيها بتهم مرتبطة بالإرهاب. وفي أكتوبر 2013 وافقت بلجيكا في نهاية المطاف على تسليمه إلى الولايات المتحدة.
غير أنّ هذا القرار جاء رغم صدور إجراء مؤقت عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يطلب من بلجيكا تعليق عملية التسليم.
وبحسب المحكمة، كان هناك خطر أن يُحتجز الطرابلسي في الولايات المتحدة في ظروف قد تتعارض مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، خصوصاً في ظل أنظمة عزل شديدة الصرامة.
ورغم ذلك، قررت بلجيكا تنفيذ عملية التسليم.
في عام 2014 أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً بارزاً في هذه القضية.
فقد اعتبرت المحكمة أن بلجيكا انتهكت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عندما سلّمت نزار الطرابلسي رغم طلب تعليق التسليم.
وبناءً على ذلك، حكمت المحكمة على الدولة البلجيكية بدفع 60 ألف يورو تعويضاً عن الأضرار المعنوية.
غير أن ذلك لم يكن سوى بداية فصل طويل من النزاع القضائي.
على مدى السنوات التالية، أدت عدة قرارات قضائية إلى زيادة الأعباء المالية على الدولة البلجيكية.
فقد أُلزمت بلجيكا، على وجه الخصوص، بدفع غرامات مالية لعدم تنفيذها بعض الأحكام القضائية التي طالبت باتخاذ إجراءات لصالح عودة الطرابلسي أو توضيح وضعه القانوني.
ومع مرور الوقت، تراكمت المبالغ نتيجة عدة عناصر، منها:
تعويضات مرتبطة بالانتهاكات التي أقرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
غرامات قضائية يومية
مصاريف وإجراءات التقاضي
ووفق الأرقام التي قُدّمت مؤخراً إلى البرلمان البلجيكي، فإن إجمالي المبالغ المدفوعة لنزار الطرابلسي تجاوز الآن 600 ألف يورو، وتحديداً 602,096.92 يورو.
أعادت هذه القضية إشعال نقاش حاد في بلجيكا.
فبالنسبة لبعض المسؤولين السياسيين، يُعدّ من الصادم أن يحصل شخص أُدين بالإرهاب على مثل هذا المبلغ من الأموال العامة.
في المقابل، يرى آخرون أن هذه القضية تجسّد مبدأ أساسياً: سيادة القانون تُطبَّق على الجميع، حتى على من أُدينوا بجرائم خطيرة.
وبعبارة أخرى، عندما تنتهك دولة ما التزاماتها القانونية أو الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها، فقد تُدان وتُجبر على تعويض الشخص المعني.
تلخص قضية الطرابلسي سؤالاً محورياً يواجه الديمقراطيات الحديثة: كيف يمكن التوفيق بين مكافحة الإرهاب واحترام قواعد القانون.
فمن جهة، تسعى السلطات إلى تحييد التهديدات الأمنية والتعاون مع حلفائها الدوليين.
ومن جهة أخرى، تذكّر المؤسسات الأوروبية بأن بعض الضمانات القانونية يجب احترامها حتى في مثل هذه الظروف.
وبعد أكثر من عشرين عاماً على اعتقال نزار الطرابلسي، ما زال ملفه يُعدّ أحد أبرز الأمثلة على هذا التوتر بين متطلبات الأمن، والدبلوماسية القضائية، وحماية الحقوق الأساسية.
وهكذا فإن هذا التصادم بين القضاء الوطني والقضاء الأوروبي هو الذي أفضى في النهاية إلى هذه النتيجة غير المتوقعة: أكثر من 600 ألف يورو دفعتها الدولة البلجيكية لرجل أُدين بالإرهاب.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية