آخر الأخبار

إغلاق مضيق هرمز : هل يمكن أن تعاني دول الخليج من نقص في الغذاء؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp
في الخليج، لا تلغي الثروة حالة الاعتماد. قد تخفيها أحيانًا، لكنها لا تزيلها. خلف الأبراج الشاهقة والموانئ العملاقة والصناديق السيادية، تظهر حقيقة أكثر هشاشة بمجرد أن يتعطل البحر: فمعظم ما تستهلكه دول الخليج من غذاء يأتي من الخارج.
تشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت تستورد نحو 85٪ من غذائها قبل جائحة كورونا، بينما تقدّر وكالة رويترز اليوم أن هذا الاعتماد يتراوح بين 80٪ و90٪ حسب الدولة ونوع المنتجات.
و مع اندلاع الحرب وشبه شلل مضيق هرمز، لم يعد النفط وحده هو المهدد، بل أيضًا سلسلة الإمداد الصامتة التي تغذي المدن. النقطة الأولى التي يجب فهمها بسيطة: خطر الغذاء في الخليج ليس خطر المجاعة الفورية، بل خطر الاحتكاك المنهجي في سلاسل الإمداد.
و هذا يعني تأخر السفن، وارتفاع أقساط التأمين البحري، وتعليق شركات الشحن للحجوزات، ووصول المنتجات الطازجة ببطء أكبر، وتراجع المخزونات أسرع مما كان متوقعًا، وقبل كل شيء ارتفاع الأسعار حتى قبل أن تفرغ رفوف المتاجر.
و تفيد رويترز بأن دول الخليج تواجه أكبر اختبار لأمنها الغذائي منذ أزمة الغذاء العالمية عام 2008، خاصة أن أكثر من 70٪ من المواد الغذائية في دول مجلس التعاون تمر عبر مضيق هرمز.
و تضيف الحرب عاملًا آخر أكثر قسوة: تقلص منظومة النقل العالمية نفسها. فقد ذكرت رويترز أن شركة كوسكو للشحن علّقت جميع الحجوزات الجديدة إلى عدد من موانئ الشرق الأوسط، بينها موانئ في الإمارات و السعودية و البحرين و الكويت.
و في الوقت نفسه، أوضح الرئيس التنفيذي لشركة “أوشن نتورك إكسبريس” أن نحو 10٪ من أسطول سفن الحاويات العالمي أصبح عالقًا أو متعطلًا بسبب الازدحام في منطقة الخليج.
و هذا يعني أن الدولة الغنية قد تستطيع دفع مبالغ كبيرة لشراء الغذاء، لكنها لا تستطيع دائمًا شراء الوقت اللوجستي اللازم لوصوله.
الخطر الحقيقي: ليس الانقطاع التام بل مزيج الأسعار والتأخير والندرة في دول الخليج، لا تواجه جميع السلع الغذائية نفس مستوى الخطر.
فالحبوب والزيوت ومنتجات الألبان والفواكه والخضروات واللحوم المجمدة والأطعمة المصنعة تختلف في درجة حساسيتها للأزمة.
السلع الأكثر عرضة للخطر على المدى القصير هي المنتجات الطازجة والمواد القابلة للتلف والسلع التي تعتمد على إعادة التوريد السريع.
و تشير رويترز إلى أن ارتفاع الأسعار وندرة بعض السلع أمر متوقع إذا استمرت الحرب، رغم أن دول الخليج أنشأت احتياطيات ووسّعت مصادر التوريد منذ عام 2008.
لكن هذه الاحتياطيات ليست أبدية؛ فهي تشتري الوقت لكنها لا تمنح حصانة. وهنا يكمن الفرق بين اضطراب يستمر أيامًا قليلة وآخر يمتد لأسابيع. ففي الأيام الأولى يمكن للدول الخليجية الاعتماد على مخزوناتها وإعادة توجيه الشحنات ودفع تكاليف طرق بديلة وطمأنة الأسواق.
أما إذا استمر الاضطراب لأسابيع، فإن المعادلة تتغير: تطول أوقات النقل، وترتفع تكاليف الشحن، وتنتقل الزيادة إلى المستوردين ثم إلى المتاجر وأخيرًا إلى المستهلكين.
الدول الأكثر عرضة: قطر والكويت والبحرين إذا جرى ترتيب دول الخليج من حيث مستوى التعرض للمخاطر، فإن قطر والكويت والبحرين تبدو الأكثر عرضة لتدهور سريع.
و ليس ذلك بسبب الفقر، بل بسبب قلة البدائل اللوجستية الطبيعية مقارنة بجيرانها الأكبر، إضافة إلى صغر أسواقها الداخلية.
و تشير تقارير رويترز و”فايننشال تايمز” إلى أن الدول التي تمتلك خيارات أقل من الموانئ أو الطرق البرية ستكون أول من يواجه الضغوط إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
بالنسبة لقطر، تظهر أولى الإشارات بالفعل. فمع تعطل النقل البحري بدأت الدوحة تبحث عن بدائل برية. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن غرفة التجارة القطرية تشجع شركات الشحن على الانضمام إلى نظام النقل الدولي البري (TIR) لتسريع نقل البضائع عبر الحدود السعودية.
أما الكويت، فتزداد هشاشتها لأن الأزمة لم تعد نظرية. فقد أفادت رويترز بأن مؤسسة البترول الكويتية أعلنت حالة القوة القاهرة وبدأت خفض إنتاج النفط بسبب النقص الحاد في ناقلات النفط في المنطقة.
أما البحرين فتواجه عدة نقاط ضعف هيكلية: صغر الحجم، هامش لوجستي أضيق، اعتماد كبير على التدفقات الإقليمية، وعمق موانئ أقل مقارنة بالمراكز الإقليمية الكبرى.
و في هذه الحالة، لا يكون الخطر الأكثر احتمالًا هو الانقطاع الكامل، بل ما يمكن وصفه بالتقنين غير المرئي للتجارة: خيارات أقل، وتأخير أطول، وتكاليف أعلى.
الإمارات العربية المتحدة: قوية لكنها ليست بمنأى عن الخطر تُعد الإمارات غالبًا الدولة الأكثر استعدادًا. فهي تمتلك احتياطيات مالية كبيرة وبنية تحتية متطورة ودورًا محوريًا كمركز تجاري عالمي.
لكن هذه القوة قد تكون أيضًا مصدر هشاشة. فكلما كان البلد في قلب التدفقات التجارية، شعر سريعًا بتباطؤها. الميزة المهمة للإمارات أنها تمتلك قدرة تصدير تتجاوز المضيق ومنشآت تخزين دولية، وفقًا لشركة أدنوك.
و هذا يقلل خطر الانقطاع المفاجئ، لكنه لا يمنع ارتفاع الأسعار أو التوتر في إمدادات السلع الطازجة. السعودية: أكبر صمام أمان في الخليج تُعد المملكة العربية السعودية على الأرجح الدولة الأفضل استعدادًا لامتصاص صدمة غذائية.
و السبب ليس ماليًا فقط بل جغرافي أيضًا. فالمملكة تمتلك سواحل على البحر الأحمر وعمقًا جغرافيًا أكبر من جيرانها، إضافة إلى قدرة أكبر على إعادة تنظيم مسارات الإمداد.
و ذكرت رويترز أن شركة أرامكو بدأت بالفعل تحويل بعض تدفقاتها إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي. عُمان: الحالة الهادئة لكن الاستراتيجية نادرًا ما تُذكر عُمان أولًا في هذا النقاش، لكنها تمتلك موقعًا فريدًا.
فإلى جانب قربها من مضيق هرمز، تمتلك منفذًا مباشرًا على بحر العرب، ما يمنحها مساحة جغرافية للمناورة لا تتوفر لقطر أو البحرين أو الكويت.
الخلاصة: الوضع والمخاطر نعم، يمكن لدول الخليج أن تواجه مشكلات حقيقية في الإمدادات الغذائية إذا استمر إغلاق مضيق هرمز. لكن الخطر الأكثر ترجيحًا على المدى القصير ليس المجاعة، بل ارتفاع الأسعار والتأخير في الشحن ونقص بعض المنتجات.
و في ترتيب تقريبي لمستوى التعرض للمخاطر: قطر والكويت والبحرين هي الأكثر هشاشة، تليها الإمارات في موقع أفضل نسبيًا، بينما تمتلك السعودية وعُمان أكبر قدرة على امتصاص الصدمة.
و الدرس الأبرز ربما هو أن سيادة الطاقة في الخليج قوية، لكن السيادة الغذائية لا تزال محدودة.
فحتى مع امتلاك النفط والغاز والموانئ والصناديق السيادية، قد يعتمد رف المتجر أحيانًا على ممر بحري ضيق بقدر اعتماده على ميزانية الدولة.
تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا