في خضمّ دويّ الضربات والردود، صدر من واشنطن مؤشر آخر، أقل صخباً لكنه لا يقل دلالة. فقد دعت وزارة الخارجية الأميركية رعاياها إلى المغادرة الفورية، عبر الوسائل التجارية المتاحة، لست عشرة دولة في الشرق الأوسط.
القائمة محددة بدقة: البحرين، مصر، إيران، العراق، إسرائيل، الضفة الغربية وغزة، الأردن، الكويت، لبنان، عُمان، قطر، المملكة العربية السعودية، سوريا، الإمارات العربية المتحدة، واليمن.
ليست هذه صيغة دبلوماسية عابرة، بل خريطة واضحة للمخاطر.
لا تظهر هذه الدول في التحذير الأميركي صدفة. فهي ترسم مجتمعة نطاق نزاع يمكن أن تتبدّل حدوده من ساعة إلى أخرى.
أولاً، هناك الأراضي المعرضة مباشرة للاشتعال: إيران، إسرائيل، الضفة الغربية وغزة، العراق، سوريا، لبنان، واليمن. في هذه المناطق، يمكن للضربات والصواريخ والطائرات المسيّرة والتحركات المسلحة أن تعيد تشكيل الواقع الأمني في أي لحظة.
ثم تأتي الدول التي تستضيف مصالح أميركية استراتيجية: البحرين، قطر، الكويت، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى الأردن وعُمان. وقد تحولت هذه البلدان إلى مراكز عسكرية ودبلوماسية واقتصادية محورية. وفي سياق الردود المتبادلة، قد تصبح هذه المنشآت أهدافاً غير مباشرة، رمزية أو استراتيجية.
وأخيراً، هناك عُقد العبور الإقليمية الكبرى. فالشرق الأوسط يمثل أيضاً مركزاً عالمياً لحركة الطيران. وعندما يضيق المجال الجوي، أو تُغلق مراكز رئيسية أو تقلّص عملياتها، تتغير معادلات التنقل خلال ساعات قليلة.
نداء واشنطن العام واضح: المغادرة ما دامت الرحلات التجارية متاحة.
غير أن السفارات على الأرض تكيّف تعليماتها بحسب الظروف. ففي الأردن، على سبيل المثال، طلبت السفارة الأميركية من موظفيها الاحتماء في أماكنهم وتجنّب المجمع الدبلوماسي، وهي توصية شملت المواطنين الأميركيين.
الرسالة تحمل قدراً من التدرج: في بعض الحالات، تكون المغادرة أولوية؛ وفي حالات أخرى، يقتضي الأمر أولاً اتخاذ تدابير الحماية وانتظار نافذة أكثر أماناً.
يأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه المنطقة اضطراباً واسعاً في حركة الطيران. ووفق معلومات متقاطعة، تأثرت مراكز رئيسية مثل دبي وأبوظبي والدوحة، فيما فُرضت قيود أو أُخليت أجزاء واسعة من المجال الجوي — لا سيما فوق إيران والعراق والكويت وإسرائيل والبحرين والإمارات وقطر — من الرحلات بشكل مؤقت.
بعبارة أخرى، تحثّ واشنطن على مغادرة المنطقة… في وقت قد تُغلق فيه طرق المغادرة بشكل مفاجئ. التذاكر تصبح نادرة، والمسارات تتبدل، والإلغاءات تتوالى. وتفرض الجغرافيا السياسية حضورها حتى في صالات المغادرة.
إن دعوة بهذا الحجم لا تكون أبداً إجراءً روتينياً. فهي تعكس خشية من امتداد المخاطر إلى ما وراء ساحات القتال. ضربات غير مباشرة، حوادث قرب مواقع حساسة، احتجاجات، إغلاقات مفاجئة لمنشآت استراتيجية… لم يعد الخطر محصوراً في حدود واحدة.
ومن خلال دعوة رعاياها إلى مغادرة أكثر من اثنتي عشرة دولة، لا تصف واشنطن حرباً فحسب، بل تستبق موجاتها الارتدادية.
وفي منطقة تتسم توازناتها بالهشاشة والتحول الدائم، قد تكون الموجة الارتدادية أحياناً أكثر تقلباً من الانفجار نفسه.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية