كان من الممكن الاعتقاد بأن الأسواق الإسرائيلية ستنهار مع أول دويّ للغارات. فالحرب، نظرياً، تدفع رؤوس الأموال إلى الفرار، وتربك المستثمرين، وتلقي بظلال قاتمة على الآفاق الاقتصادية. غير أنّ بورصة تل أبيب سجّلت، خلافاً لكل التوقعات، ارتفاعاً. مفارقة تبدو كذلك في ظاهرها فقط.
في الواقع، لا تتفاعل الأسواق مع الحدث بحدّ ذاته، بل مع الفارق بين ما يحدث فعلياً وأسوأ السيناريوهات التي كانت قد استوعبتها مسبقاً. فعند الإعلان عن أولى العمليات، كان جزء من المستثمرين يخشى انفلاتاً فورياً وغير قابل للسيطرة. وإذا بدا مسار العمليات في مرحلته الأولى، حتى الآن، منضبطاً عسكرياً، فقد يثير ذلك ردّ فعل يقوم على الارتياح. ليس تفاؤلاً، بل تنفّس صعداء.
بعض القطاعات، ولا سيما الدفاع والطاقة، قد تستفيد ميكانيكياً من الوضع. ويُضاف إلى ذلك عوامل تقنية، مثل تغطية المراكز المدينة، وعمليات التحكيم السريعة، وتدفّقات المضاربات. وبالتالي، فإن الارتفاع في زمن الحرب لا يُعدّ مؤشراً على ثقة راسخة، بل غالباً ما يعكس حركة دفاعية وتكتيكية.
لكن خلف هذه الواجهة التي توحي بالصلابة، تكمن حقيقة أكثر هشاشة.
توقّع: التوتّر سيستعيد زمام المبادرة
إذا اتّسع نطاق النزاع، أو تكثّفت الضربات، أو تعطّلت طرق الطاقة في الخليج لفترة طويلة، فلن تستطيع الأسواق البقاء بمنأى عن التأثر. ويظلّ النفط المتغيّر الحاسم: فارتفاعه المطوّل سيضغط على التضخم العالمي، والعملات، والنمو.
وعلى نحو أعمق، فإن حرباً تطول تُنهك الثقة. الخسائر البشرية، والتعبئة الواسعة للاحتياط، والتوترات الدبلوماسية، والضبابية السياسية… جميعها عوامل تنعكس في نهاية المطاف على ميزانيات الشركات وعلى معنويات المستثمرين.
على المدى القصير، ستكون التقلبات حادة: قد تعقب جلسات الارتفاع القوي تصحيحات عنيفة. أما على المدى المتوسط، فإذا تأكد مسار التصعيد وتجاوز النزاع إطار عمليات محدودة، فقد تنقلب الاتجاهات.
قد تتجاهل الأسواق ضجيج السلاح أياماً معدودة، لكنها لا تستطيع تجاهل الاستنزاف الاقتصادي الذي تفرضه حرب طويلة الأمد.
فالبورصة قد ترتفع أحياناً في بداية النزاعات، لكنها نادراً ما تواصل الصعود إلى ما لا نهاية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية