يشهد قطاع منتجات الحلال في تونس تحولًا استراتيجيًا يفتح آفاقًا واسعة للنمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية على المستوى الإقليمي والدولي.
وجاء توقيع مركز النهوض بالصادرات مع شبكة الأعمال العالمية على مذكرة تفاهم تهدف إلى دعم الصادرات الوطنية وهيكلة منظومة الحلال ليشكل نقطة محورية في مسار تطوير القطاع، وتوفير أدوات مؤسسية متقدمة تساعد الشركات التونسية على توسيع نطاق عملها والتواجد في أسواق جديدة. هذه المبادرة ليست مجرد تعاون مؤسسي، بل تمثل استراتيجية طويلة المدى لتأهيل تونس كمركز إقليمي للمنتجات الحلال، مع التركيز على قطاعي الأغذية ومستحضرات التجميل، اللذين يمثلان الجزء الأكبر من الصادرات الحلال الحالية.
التوسع الدولي عبر الشراكات المؤسسية
تسعى المذكرة إلى تمكين الشركات التونسية من الوصول إلى الأسواق العالمية عبر آليات محددة تشمل تنظيم بعثات تجارية موجهة، والمشاركة في المعارض الدولية، وإنشاء لقاءات ثنائية مع شركاء محتملين. وتمثل شبكة الأعمال العالمية منصة وسيطة تسهل التواصل بين الشركات التونسية والمستثمرين أو الموردين الدوليين، بما يعزز فرص التوسع بشكل مستدام. ومن خلال هذه الأدوات، يمكن للشركات الوطنية تجاوز العديد من العقبات التقليدية المرتبطة بالولوج إلى أسواق جديدة، وتحقيق حضور قوي في أسواق المغرب العربي، ودول مجلس التعاون الخليجي، والشرق الأوسط، وآسيا، حيث يزداد الطلب على المنتجات الحلال بشكل كبير.
ويعتبر قطاع الحلال اليوم أحد أهم القطاعات الواعدة في تونس، خاصة في مجالي الأغذية ومستحضرات التجميل. في عام 2024، بلغ عدد الشركات الحاصلة على شهادة الحلال نحو أربعين شركة، معظمها ينشط في هذين القطاعين الحيويين. وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 30% من المنتجات الحلال المعتمدة تشمل التمور وزيت الزيتون، مما يعكس قوة القطاع الفلاحي التقليدي ودوره في الصادرات الوطنية. ويُعتبر اعتماد معايير الجودة العالمية لشهادات الحلال عنصرًا أساسيًا في بناء ثقة المستهلكين، وتوسيع نطاق التسويق لتشمل أسواقًا جديدة تتطلب التزامًا صارمًا بهذه المعايير.
في الوقت نفسه، يمثل قطاع مستحضرات التجميل الحلال فرصة لتحقيق قيمة مضافة عالية، حيث يشهد طلبًا متزايدًا في الأسواق الخليجية والآسيوية على منتجات طبيعية وآمنة، تتوافق مع معايير الحلال وتوجهات المستهلكين نحو المنتجات الصحية والعضوية. ويتيح هذا القطاع لتونس استثمار خبرتها في الابتكار وإدخال مكونات طبيعية مستخلصة من الموارد المحلية، مثل زيت الزيتون ومستخلصات النباتات، بما يعزز التنافسية ويتيح تصدير منتجات متميزة تلبي متطلبات الأسواق العالمية.
الأسواق المغاربية والدولية: فرص لتوسيع الصادرات
يتميز الموقع الجغرافي لتونس بكونه بوابة استراتيجية للأسواق المغاربية، حيث يشهد الطلب على المنتجات الحلال نموًا مطردًا، مدفوعًا بزيادة الوعي الصحي والاهتمام بالمنتجات الطبيعية. وتتيح هذه الأسواق الإقليمية فرصة لتونس لتعزيز مكانتها كمصدر رئيسي للمنتجات الحلال، قبل التوسع نحو أسواق الخليج وآسيا الأكثر طلبًا، حيث يمكن الاستفادة من سمعة تونس في الجودة والاعتمادات الدولية للشهادات. إن الجمع بين الجودة التقليدية والابتكار في المنتجات يجعل تونس قادرة على المنافسة بفعالية في الأسواق المغاربية، ويتيح فرصًا لتوسيع نطاق الصادرات بوتيرة أسرع.
تشير التقديرات الاحصائية والتحليلات الاقتصادية إلى أن صادرات تونس من الأغذية الحلال ستشهد نموًا سنويًا مركبًا يتراوح بين 8% و10% خلال السنوات الخمس المقبلة، مما قد يرفع حجم الصادرات السنوي إلى ما بين 150 و175 مليون دولار بحلول عام 2029، مقارنة بما يقارب 80–90 مليون دولار في 2024. وتبين توقعات السوق أن الأسواق المغاربية ستستحوذ على نحو 30–35% من إجمالي الصادرات، تليها الأسواق الخليجية بنسبة تصل إلى 40%، بينما تمثل الأسواق الآسيوية نحو 25–30% من حجم التصدير، مدفوعة بارتفاع الطلب على المنتجات عالية الجودة والمعتمدة وفق معايير الحلال الدولية.
أما قطاع مستحضرات التجميل الحلال، فيتوقع أن يشهد معدل نمو سنوي مركب أعلى يصل إلى 10–12%، مع إمكانية وصول قيمة الصادرات إلى ما بين 35 و50 مليون دولار بحلول 2029، مقارنة بحوالي 15–20 مليون دولار في 2024. ويظل السوق الخليجي المحرك الرئيسي بنسبة 50–55% من الصادرات، بينما تمثل الأسواق المغاربية والآسيوية كل منها نحو 20–25%، مع توقع زيادة الحصة الآسيوية نتيجة ارتفاع الطلب على مستحضرات التجميل الطبيعية والعضوية.
التحديات واستراتيجيات النجاح
على الرغم من الفرص الواعدة، يواجه قطاع الحلال في تونس تحديات متعددة تشمل الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية للمعايير والشهادات لضمان قبول المنتجات في الأسواق العالمية، وتقوية القدرات التسويقية الرقمية للشركات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى المنافسة القوية من دول مثل ماليزيا وإندونيسيا ودول الخليج التي تتمتع بخبرة طويلة في تسويق منتجات الحلال. ومع ذلك، فإن تطوير الابتكار، وتحسين الجودة، واستثمار التحول الرقمي سيتيح لتونس التوسع بنجاح في الأسواق الإقليمية والعالمية، وتحقيق قيمة تصديرية أكبر.
وتمثل هذه التحولات فرصة حقيقية لتونس لتحويل قطاع الحلال من قطاع ناشئ إلى ركيزة اقتصادية استراتيجية، تسهم في خلق فرص عمل، وتعزيز الصادرات، وتنمية الصناعات التقليدية والمبتكرة. ومع الدعم المؤسسي المستمر والتعاون الدولي الممنهج، تبدو تونس قادرة على تعزيز مكانتها في الأسواق المغاربية، والخليجية، والآسيوية، لتصبح منصة إقليمية رائدة لمنتجات الحلال، توفر منتجات عالية الجودة وتنافس في الأسواق العالمية، ما يجعلها نموذجًا يحتذى به في كيفية تحويل القطاعات الواعدة إلى قوة اقتصادية مستدامة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية