أكدت مقررة لجنة الحقوق والحريات، هالة جاب الله، أن اللجنة عقدت جلستها الثالثة لمواصلة النظر في مقترح قانون حماية المعطيات الشخصية، في إطار مسار تشريعي يهدف إلى تجاوز النقائص السابقة وتعزيز منظومة حماية البيانات في تونس.
وبيّنت جاب الله أن أهمية هذا المقترح تنبع من التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، خاصة في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسع استعمال المعطيات الشخصية في مختلف القطاعات.
وأضافت أن المقترح يأخذ بعين الاعتبار الإشكاليات المطروحة في ما يتعلق بتداول المعطيات الشخصية، لا سيما في المجال الصحي والبحث العلمي، حيث تتطلب طبيعة البيانات المتداولة درجات أعلى من الحماية والرقابة.
وأشارت مقررة اللجنة إلى أن الهيئة المعنية بحماية المعطيات الشخصية شهدت منذ سنة 2018 حالة من التعثر والجمود، نتيجة إشكاليات تتعلق بتركيبتها وعدد أعضائها وعدم تفرغهم، وهو ما أثر سلباً على أدائها ونجاعتها.
وفي هذا السياق، شددت على أن المشروع الجديد ينص على إرساء هيئة مستقلة بتركيبة واضحة ومضبوطة، مع تحديد عدد الأعضاء واختصاصاتهم بدقة، وضمان تفرغهم لمهامهم، بما يقطع مع النقائص التي شابت التجربة السابقة ويحول دون تكرارها.
كما يتضمن المقترح، وفق جاب الله، مراجعة منظومة العقوبات، من خلال إقرار عقوبات مالية هامة تتناسب مع خطورة الاعتداء على المعطيات الشخصية وأهمية حمايتها، بما يعزز الطابع الردعي للقانون.
وأفادت بأن اللجنة استمعت خلال الجلسة إلى عدد من الجهات المعنية، وانطلقت في مناقشة فصول المقترح فصلاً فصلاً.
ومن المنتظر أن تتواصل الاستماعات خلال الأيام القادمة، لتشمل ممثلين عن وزارة الصحة بخصوص الجوانب المتعلقة بالمعطيات الصحية، إضافة إلى ممثلين عن رئاسة الحكومة والممثل الحالي لهيئة حماية المعطيات الشخصية.
وختمت جاب الله بالتأكيد على أن الهدف الأساسي من هذا المشروع هو إرساء إطار قانوني عصري ومتوازن، يضمن حماية المعطيات الشخصية من جهة، ويواكب متطلبات التطور التكنولوجي من جهة أخرى، في احترام تام للحقوق والحريات.
وأوضح المصمودي أن تونس كانت من الدول السباقة في سنّ قانون لحماية المعطيات الشخصية سنة 2004، غير أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، خاصة في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي، جعلت النص الحالي غير قادر على مواكبة الواقع الجديد.
وبيّن المصمودي أن من أبرز أسباب تقديم مقترح القانون هو ضرورة ملاءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس سنة 2017 في مجال حماية المعطيات.
كما لفت إلى إشكال عملي يتمثل في غياب مجلس هيئة حماية المعطيات الشخصية، ما حال دون منح التراخيص اللازمة في عديد الحالات، وخلق صعوبات تطبيقية خاصة في القطاعات الحساسة.
وأبرز التعديلات المقترحة إحداث “مكلف بحماية المعطيات” من بين أهم المستجدات التي يتضمنها المقترح، إدراج وظيفة “مكلف بحماية المعطيات الشخصية” داخل المؤسسات، تماشياً مع المعايير الدولية.
وضرب مثالاً بكاميرات المراقبة البصرية التي كانت تخضع سابقاً إلى ترخيص، في حين سيقتصر ذلك في الصيغة الجديدة على حالات استثنائية يضبطها القانون.
إدراج الذكاء الاصطناعي
وأكد المصمودي أن القانون الحالي لا يتضمن أي أحكام تتعلق بالذكاء الاصطناعي، رغم تنامي حضوره في مختلف القطاعات.
لذلك تم تخصيص جزء من المقترح لضبط استعمالات الذكاء الاصطناعي ووضع ضوابط تضمن حماية المعطيات الشخصية ومنع الانتهاكات.
كما يتضمن المقترح أحكاماً خاصة بالعمل الصحفي، لاسيما الصحافة الاستقصائية، مع إقرار استثناءات محددة تراعي مبدأ التناسب بين حرية العمل الصحفي وضرورة حماية المعطيات الشخصية.
واقترح المصمودي تصوراً جديداً لهيئة حماية المعطيات الشخصية، يقوم على إحداث دائرة داخلها تتولى تسليط عقوبات مالية في بعض المخالفات، بما يعزز نجاعتها واستقلاليتها المالية، أما المخالفات الخطيرة، خاصة المتعلقة بالمعطيات الحساسة، فتبقى من اختصاص القضاء، وقد تترتب عنها عقوبات مالية أو سالبة للحرية.
وأشار إلى أنه تم الترفيع في بعض العقوبات المالية مقارنة بالقانون السابق، بما يضمن مزيداً من الردع.
ويتضمن المقترح أيضاً توسيع قائمة المعطيات المصنفة “حساسة”، لتشمل صراحة: المعطيات الصحية المعطيات الجينية المعطيات البيومترية (مثل البصمات والتعرف على الوجه).
وأكد المصمودي أن معالجة هذه المعطيات ستخضع لضوابط مشددة وترخيص خاص، نظراً لخطورتها وتأثيرها المباشر على الحياة الخاصة للأفراد.
ملف المعطيات الجينية والصحية
وفي ما يتعلق بالمعطيات الجينية، أوضح أن المقترح لم يحسم بعد جميع تفاصيلها، وأن هناك توجهاً للتشاور مع وزارة الصحة، خاصة في ظل وجود مخابر متخصصة في الجينوميك، بما يفرض تأطيراً قانونياً دقيقاً.
كما أشار إلى ضرورة مراجعة الأحكام المتعلقة بالمعطيات الصحية، إذ أن القانون القديم كان يحصر معالجتها في الأطباء أو أشخاص محلفين وبترخيص مسبق، في حين يشهد الواقع الحالي توسعاً في دور الباحثين والمخابر والمؤسسات الجامعية داخل المنظومة الصحية.
وختم المصمودي تصريحه بالتأكيد على أن المقترح قُدّم منذ شهر جويلية، وأنه تم الانطلاق في جلسات الاستماع مع عدد من الأطراف المتدخلة، من بينها وزارة الصحة، مع الدعوة إلى توسيع دائرة النقاش لضمان إخراج نص توافقي يستجيب لمتطلبات المرحلة.
نسرين علوش
المصدر:
جوهرة