آخر الأخبار

بقلم الدكتور بدر السماوي : مقترح إحداث البنك البريدي في تونس ووهم الإدماج المالي والاجتماعي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

عاد هذه الأيام الجدل حول تحويل الديوان الوطني للبريد إلى بنك تجاري بمناسبة استئناف لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب نقاش مقترح القانون نظرا لما ينطوي عليه من انعكاسات اقتصادية واجتماعية باعتبار البريد التونسي مرفقا عموميا حيويا وخاصة فيما يتعلق بمدى تحقيق الهدف المنشود وهو مكافحة الإقصاء المالي.

المقترح والمشروع

قامت مجموعة من النواب بإيداع مقترح القانون المتعلق بإحداث البنك البريدي بتاريخ 8 جويلية 2025 بعد فشلهم في تمرير نقطة البنك البريدي عند نقاش مشروع القانون عدد 23 لسنة 2024 الذي قدمته الحكومة بتاريخ 6 مارس 2024 والمتعلق بمكافحة الإقصاء المالي بل إن اللجنة رفضت المصادقة على القانون كله ولم تقم بإحالته على الجلسة العامة بسبب عدم التوافق مع الحكومة على هذه النقطة.

ويرى النواب أن تحويل البريد إلى بنك له انعكاس على توسعة الخدمات المالية لتشمل الفئات المهمشة والمناطق الريفية النائية وإشراكها في دورة الاقتراض والتمويل. ويرتكزون على تجارب مماثلة في بلدان أخرى مثل فرنسا وبعض البلدان الإفريقية والآسيوية بالإضافة إلى تأكيدهم أن البنك البريدي سيأتي مكملا لدور البنوك العمومية وليس منافسا لها وسيحقق العدالة الاجتماعية والمساواة في القطاع المالي والاقتصادي.

مكسب وطني

يُعدّ البريد التونسي الذي تعود نشأته إلى سنة 1847 مكسبا وطنيا وهو مؤسسة تضطلع بدور اقتصادي واجتماعي هام وهو مرفق عمومي له شبكة واسعة من المكاتب تفوق ألف مكتب بكل المدن والقرى تسدي خدمات بريدية مثل الرسائل والطرود وخدمات مالية باحتضانها لحوالي 4 ملايين حساب ادخار ومليوني حساب جاري إلى جانب إرسال الحوالات المالية وتلقيها وخدمات صرف العملة وتطبيقة خدمات متطورة.

ويتوجه البريد التونسي أساسا إلى الفئات الشعبية من خلال صرف المرتبات والأجور للموظفين والأجراء والجرايات للمتقاعدين والمنح للعائلات الفقيرة والعائلات محدودة الدخل. وقد نجح البريد التونسي في جعل خدماته تضاهي الخدمات البنكية وتفوقها بفضل اعتماد أسعار معقولة من حيث الكلفة مع ضمان الجودة وتوفير القرب ولم يبق سوى الإقراض التي يمكن إسداؤها عبر البنوك العمومية الثلاثة.

والأهم أن الأموال المودعة والأرباح المنجزة يتم تحويلها إلى خزينة الدولة وتتصرف فيها وزارة المالية التي ترصد ميزانية سنوية لديوان البريد على غرار المؤسسات والمنشآت العمومية الأخرى وفق النفقات السنوية للتصرف والتسيير والتأجير والتنمية. هذا بالإضافة إلى أن الحساب الجاري للخزينة والصناديق الخاصة كلها مفتوحة لدى البريد التونسي.

مساهمة البريد في الاستثمار

إن الأموال المودعة بحساب الادخار والحسابات الجارية تتصرف فيها وزارة المالية ويتم إيداعها بالخزينة ويتصرف الديوان الوطني للبريد في ميزانية سنوية كسائر المؤسسات العمومية الأخرى.

كما تساهم أموال حسابات الادخار البريدي في الاستثمار حيث نص المرسوم عدد 85 لسنة 2011 المؤرخ في 13 سبتمبر 2011 المتعلق بإحداث صندوق الودائع والأمانات في فصله الثاني “يتولى صندوق الودائع والأمانات الحفاظ على الموارد والأموال والسندات التي توضع على ذمته والموارد التي يتولى تعبئتها والتصرف فيها باستعمالها في التوظيفات والاستثمارات” وفي فصله الثالث على أنه من بين موارد صندوق الودائع والأمانات “: موارد إيداعات صندوق الادخار الوطني التونسي.

وبذلك فإن إحداث البنك البريدي سيقلص من دعم الاستثمار خاصة في هذه الفترة ويزيد من الصعوبات في تمويل الميزانية واعتماد الدولة على الإقراض الداخلي وسياسة التعويل على الذات ورفض التمويل الخارجي المشروط لدعم الميزانية.

مكافحة الإقصاء المالي وتنشيط الاقتصاد

إن الهدف من مكافحة الإقصاء المالي طبقا لما ورد في مشروع القانون يتمثل في تحسين نسبة الإدماج المالي التي لا تتجاوز حاليا 44% أي أن يكون للتونسيين حسابات بنكية قصد استيعاب القطاع الموازي ولاسيما الكتلة النقدية التي يتم تداولها خارج الدورة الاقتصادية العادية وما يعني ذلك من تهرب جبائي.

كما سيمكن من تمتيع كل التونسيين من حقوق دنيا لفتح حسابات، ومن التمتع بمختلف الخدمات المالية المجانية منها وغير المجانية وخاصة منها الخدمات البنكية، بالنسبة للفئات الاجتماعية التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات المالية.

كما يهدف إلى ترشيد التداول نقدًا ودعم النفاذ إلى خدمات الدفع الرقمي حيث سيفرض على كل البنوك توفير وسيلة دفع إلكتروني مجانية لكل الحرفاء وتسهيل فتح حساب بنكي دون اشتراط الاستظهار ببعض الوثائق، على غرار شهادة العمل، ضمن الوثائق المعمول بها حاليًا إلى جانب توسيع مجال تدخل مؤسسات التمويل الصغير وتمكينها من تسويق منتجات الادخار لحرفائها وممارسة أعمال وكيل دفع، وممارسة الوساطة في التأمين.

إن قانون الإدماج المالي سينطبق على كل البنوك التي ستدعى إلى توفير خدمات خصوصية للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل. فما هي الإضافة التي سيقدمها مقترح البنك البريدي إذا كانت الخدمات ذات البعد الاجتماعي قد نص عليها مشروع قانون مكافحة الإقصاء المالي؟

البريد بين الاندثار والخصخصة

إن تحويل ديوان البريد إلى بنك تجاري سيزج به في المنطق الربحي مما يؤدي إلى ضرب وظيفته الاجتماعية الأساسية وإقصاء الفئات المهمشة. ولا مناص من أن تدخل هذه المؤسسة في شكلها البنكي في سوق تنافسية وسترتبط خدماتها المالية بالفائدة المديرية التي يحددها البنك المركزي على غرار البنوك التجارية الأخرى التي تعمل تحت إشراف المجلس المالي والبنكي وستكون ضمن منظومة بنكية ومالية متضخمة في ظل أكثر من 20 مؤسسة بنكية في حين أن السوق الوطنية لا تحتمل هذا العدد بل إن المطلوب التقليص منها ولم لا دمج البنوك العمومية الثلاثة في بنك واحد عوض إضافة بنك عمومي رابع علما أن الاتحاد البريدي العالمي لم يفرض على المؤسسات البريدية المحلية إحداث بنك بريدي بل على المساهمة في تحسين نسبة الإدماج المالي.

إن هذا المقترح لم يخضع لدراسة استراتيجية استشرافية لكشف الفرضيات المستقبلية المحتملة والتي من بينها فتح رأسماله للقطاع الخاص وحتى إلى رأس المال الأجنبي مثله مثل بقية البنوك العمومية وهو ما يشكل خطرا على دوره الاجتماعي وكذلك على مكانته في دعم الاقتصاد الوطني والتوازنات المالية للدولة التي قد تفقد أداة مهمة للتحكم في تدفقات مالية خارج المنظومة البنكية التقليدية وارتفاع أسعار خدماتها بالضرورة مع غياب ضمانات صارمة ضد التمويل المشروط أو التدخل الخارجي.

وهكذا يصبح البنك البريدي المقترح نافذة للاختراق الأجنبي وخطرا على السيادة الوطنية المالية والاقتصادية باعتبار أنه سيقود إلى التفريط في قطاع إستراتيجي لا يتعامل بمنطق العرض والطلب بل تتدخل الدولة فيه ليلعب دوره الاجتماعي من خلال خدمات مالية شاملة وبأسعار محددة.

حدود التجارب المقارنة

إن التعلل بتجارب دول أخرى قامت بتحويل البريد إلى بنك يجب إن يأخذ في الاعتبار أن هذه الدول تخضع لسيطرة الرأس مال المالي ومنطق السوق الحرة أساسه السعي لتكديس الأرباح وإقصاء أي دور اجتماعي للدولة ومعارضة أي دور لها في الرقابة والتمويل والتعديل وهو ما يعمق الفوارق الاجتماعية ويوسع، على عكس ما يروج، قاعدة الفئات المهمشة ويفرز طغمة مالية تسحق كل ما يعترض طريقها.

ثم إن نقل تجارب أجنبية بمعزل عن خصوصيات الواقع في تونس في النواحي كافة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يتعارض تماما مع ما تسعى له الدولة حاليا من إعادة الاعتبار لدورها الاجتماعي الذي تراجع كثيرا في العقود الماضية.

العودة إلى مشروع القانون

إن البريد التونسي مؤسسة عمومية إستراتيجية أثبتت نجاحها في القيام بأدوارها الاجتماعية وفي دعم الاقتصاد الوطني وميزانية الدولة بما يجعل تحويله إلى بنك تجاري يفتقد إلى حجج مقنعة بل يمثل خطرا كبيرا. أما تطويره فهو ممكن بل ضروري من أجل مزيد توفير خدمات تهدف إلى الإدماج المالي والاجتماعي ولكن ليس بتفكيك هويته الاجتماعية وتهديد مكانته كمؤسسة وطنية جامعة ضمن رؤية تحمي سيادة البلاد وتصون المصلحة العليا للوطن وتنحاز إلى المواطن.

لذلك يكون من الأجدر سحب مقترح قانون إحداث البنك البريدي لتعارضه مع تحقيق الإدماج المالي والاجتماعي والعودة إلى مشروع القانون الذي قدمته الحكومة منذ سنتين والذي يحتوي على أهم الآليات لمكافحة الإقصاء المالي قصد تمكين الفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل والأشخاص ذوي الإعاقة وكذلك المؤسسات الصغيرة التي تجد صعوبة في النفاذ للقطاع المالي من منتجات وخدمات تلبي احتياجاتها بطريقة مسؤولة على أن يسعى الطرفان الحكومي والبرلماني إلى التوافق في النقاط الخلافية.

د. بدر السماوي، باحث في المسائل الاجتماعية

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا