يشهد المشهد الاجتماعي والاقتصادي في تونس تحولًا عميقًا مع دخول القانون عدد 9 لسنة 2025 حيّز التنفيذ، وهو قانون رسم ملامح جديدة لقانون الشغل ويُعيد تعريف العلاقات التعاقدية وآليات اللجوء إلى المناولة.
وبينما يفرض هذا الإطار التشريعي الجديد تحديات قانونية وتنظيمية غير مسبوقة، فإنه يفتح في المقابل المجال أمام مراجعة شاملة لوظيفة الموارد البشرية وتحويلها من دور امتثالي تقليدي إلى رافعة استراتيجية للتغيير .
دراسة ميدانية تكشف فرص التطوير
في هذا السياق، أجرى المعهد العربي لرؤساء المؤسسات دراسة ميدانية شملت نحو مائة مسؤول من مديري إدارات الموارد البشرية، بهدف تحليل انعكاسات القانون الجديد على الممارسات الإدارية وتدبير الموارد البشرية .
وتكشف نتائج الدراسة عن حالة من الترقب داخل المؤسسات، حيث برزت تساؤلات قانونية جوهرية تتعلق خاصة باستخدام العقود محددة المدة والمناولة في الأنشطة الأساسية. هذا الوضع القانوني عزز الحاجة إلى الاستشارة القانونية المتخصصة وإلى مراجعة الإجراءات الداخلية بما يضمن الحد من المخاطر المحتملة .
على الصعيدين التشغيلي والمالي، اضطرت بعض المؤسسات إلى إعادة النظر في تركيبة مواردها البشرية، سواء عبر تعديل عدد العاملين أو إعادة توزيع المهام. في المقابل، اختارت مؤسسات أخرى الاستثمار في تكوين الموظفين ورفع كفاءتهم بهدف تحسين الإنتاجية والتكيف مع الالتزامات القانونية الجديدة . كما برز توجه متزايد لدى عدد من الشركات نحو هيكلة الوظيفة الإدارية ورقمنة مسارات الموارد البشرية، بما يعزز الشفافية والنجاعة ويُسهّل عمليات التتبع والامتثال .
مكاسب استراتيجية
حددت الدراسة جملة من الاشكالات الرئيسية المرتبطة بتطبيق القانون الجديد، في مقدمتها ارتفاع احتمالات النزاعات القضائية، واحتمال اختلال توازن فرق العمل، وتزايد الكلفة التشغيلية، إضافة إلى تراجع هامش المرونة في إدارة الموارد البشرية .
غير أن المقاربة التحليلية للدراسة لم تقتصر على رصد التحديات، بل سلطت الضوء أيضًا على فرص استراتيجية واعدة، من بينها تعزيز حوكمة الموارد البشرية، وتسريع نسق الرقمنة، وترسيخ ثقافة امتثال استباقية، إلى جانب تطوير مقاربات تفاضلية تتلاءم مع خصوصيات كل قطاع . و خلصت الدراسة إلى حزمة من التوصيات العملية الكفيلة بتحويل الضغوط التشريعية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة .
في الجانب القانوني والتعاقدي، أوصت بضرورة توضيح وضعيات الفئات الخاصة، وتأطير مسار ترسيم العملة الوقتيين، وضمان استخدام العقود محددة المدة أو عقود الأشغال عند اقتضاء طبيعة النشاط لذلك، في إطار قانوني واضح ومؤمّن . وفي ما يتعلق بفترة التجربة وآليات التقييم، شددت التوصيات على أهمية مراجعة مدتها وشروطها بما يسمح بتقييم أدق للكفاءات، بصرف النظر عن الصنف المهني .
أما على المستوى التشغيلي، فقد دعت إلى تعزيز إجراءات التعويض في المهن الحساسة مثل السلامة، من خلال الاستثمار في التكوين المستمر، وضمان جاهزية البدائل، واحترام المتطلبات التنظيمية .
كما أكدت على ضرورة توحيد فهم القانون عدد 9 لسنة 2025 داخل المؤسسات عبر إعداد أدلة داخلية وتنظيم دورات تكوينية ووضع مراجع تفسيرية واضحة، بما يحد من التأويلات المتباينة ويعزز الاستقرار القانوني .
في المحصلة، يبدو أن القانون الجديد لا يقتصر على كونه تعديلًا تشريعيًا، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات التونسية على الانتقال من منطق الامتثال الأدنى إلى منطق التحول المؤسسي الشامل، حيث تصبح إدارة الموارد البشرية فاعلًا محوريًا في صياغة مستقبل أكثر تنافسية واستدامة .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية