آخر الأخبار

نحو مقاربة قطاعية لإعادة تشكيل النمو الاقتصادي في تونس

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

وفق نظرة شاملة، يتحدد النمو الاقتصادي في تونس أساساً بقدرة الاقتصاد على مراكمة رأس المال المادي والبشري وتحسين الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج ضمن إطار مؤسساتي مستقر وفعّال.

وتبرز الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج باعتبارها المحدد الأكثر تفسيراً لتباين معدلات النمو على المدى الطويل، إذ ترتبط اساسا بمدى اعتماد التكنولوجيا، والقدرة على الابتكار. في هذا السياق تمثل الحوكمة بالإضافة الى نجاعة انشطة المؤسسات شرطاً ضرورياً لرفع الإنتاجية، من خلال توفير مناخ أعمال مستقر، وسياسات اقتصادية قابلة للاستشراف. كما يؤثر الانفتاح التجاري والاندماج في سلاسل القيمة العالمية في ديناميكية النمو، شريطة أن يكون قائماً على صادرات متنوعة وعالية القيمة المضافة، لا على أنشطة منخفضة المحتوى التكنولوجي.

إضافة إلى ذلك، يلعب الاستقرار الاقتصادي الكلي دوراً محورياً، إذ إن اختلالات المالية العمومية والميزان الخارجي تحدّ من القدرة على دعم الاستثمار وتزيد من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات. ويبقى التحول الهيكلي القطاعي، أي انتقال الموارد نحو قطاعات أكثر إنتاجية، عاملاً حاسماً في تسريع النمو المستدام. وبذلك، فإن النمو في تونس لا يتوقف فقط على زيادة حجم الموارد، بل على تحسين كفاءة استخدامها ضمن بيئة مؤسساتية داعمة للتحول الاقتصادي ورفع الإنتاجية على المدى الطويل.

قراءة في المؤشرات البنيوية

سجّل الاقتصاد الوطني نموا بنسبة 2.5 بالمائة لكامل سنة 2025، مدفوعا بتحسن الأداء في قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات، وفق المؤشرات الرسمية الأخيرة. كما بلغ النمو خلال الثلاثي الرابع 2.7 بالمائة بحساب الانزلاق السنوي، مع ارتفاع فصلي بنسبة 1.0 بالمائة. هذه النتائج، وإن بدت إيجابية مقارنة بالسنوات السابقة، تظل دون الحد الادنى اللازم لإحداث نقلة نوعية في التشغيل والمداخيل، مما يفرض الانتقال من قراءة ظرفية للبيانات إلى مقاربة قطاعية استشرافية تُعيد تعريف محركات النمو في أفق متوسط وبعيد المدى.

إن تحليل بنية النمو المسجل في 2025 يكشف عن مساهمة قوية للقطاع الفلاحي، الذي ارتفعت قيمته المضافة بنسبة 12.3 بالمائة خلال الثلاثي الرابع، مساهما بأكثر من نقطة مئوية كاملة في النمو الإجمالي. لكن الرهان الاستراتيجي لا يكمن في التعويل على المواسم الجيدة، بل في تحويل الفلاحة إلى قاعدة صناعية غذائية متطورة.

ويعني ذلك تطوير سلاسل القيمة من الإنتاج إلى التحويل فالتوزيع، وإدماج التكنولوجيا في الري والتصرف في الموارد، والانتقال من تصدير المواد الخام إلى تسويق منتجات معلبة وموسومة ذات قيمة مضافة مرتفعة. في هذا الإطار، يمكن للقطاع أن يتحول من مساهم دوري في النمو إلى ركيزة استقرار اقتصادي وجهوي، خاصة إذا تم ربطه بصناعات التغليف والنقل المبرد والخدمات اللوجستية.

في المقابل، يبرز القطاع الصناعي كرافعة مركزية لإعادة هندسة النمو. فقد سجلت الصناعات المعملية نموا بنسبة 4.0 بالمائة خلال الثلاثي الرابع، مدفوعة أساسا بالصناعات الميكانيكية والكهربائية والصناعات الغذائية. هذا التطور يعكس قدرة بعض فروع انشطة القطاع على الاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية، خاصة في سياق إعادة تموقع الإنتاج الصناعي قرب الأسواق النهائية للاستهلاك.

غير أن الانتقال إلى مرحلة أعلى من النمو الصناعي يتطلب سياسة صناعية نشطة تقوم على ثلاث دعائم وهي رفع المحتوى التكنولوجي للإنتاج، ودعم البحث والتطوير، وتحفيز الروابط بين المؤسسات الكبرى والمؤسسات الصغرى والمتوسطة. كما يظل تطوير صناعة مكونات الطاقات المتجددة، في ظل تراجع إنتاج النفط والغاز، خيارا استراتيجيا لتقليص العجز الطاقي وخلق نسيج صناعي جديد قائم على الاقتصاد الأخضر.

أما قطاع الخدمات، الذي ساهم بـ0.88 نقطة مئوية في النمو خلال الثلاثي الرابع، فيمثل مجالا واسعا لإعادة توجيه النمو نحو أنشطة عالية الإنتاجية. ومن المؤكد أن السياحة استعادت جزءا من عافيتها، مع نمو ملحوظ في أنشطة النزل والمطاعم، إلا أن استدامة هذا التحسن تظل رهينة تنويع العرض السياحي والارتقاء بجودة الخدمات.

نحو تحولات قطاعية هيكلية

في جانب قطاعي اخر، يظل التحول الأعمق كامنا في الاقتصاد الرقمي حيث سجل قطاع الإعلامية والاتصال نموا بنسبة 3.7 بالمائة، وهو ما يعكس إمكانات جد واعدة. ويمكن لهذا القطاع أن يشكل محركا أفقيا يعزز إنتاجية بقية القطاعات، عبر تعميم الرقمنة، وتطوير الخدمات السحابية، وتحفيز الشركات الناشئة ذات التوجه التصديري. كما ان بناء منظومة رقمية متكاملة هو محور شامل من شأنه أن يرفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وهو الشرط الأساسي لتحقيق نمو يفوق 4 أو 5 بالمائة على المدى المتوسط.

وتبرز قراءة مكونات الطلب أن النمو في 2025 كان مدفوعا أساسا بالطلب الداخلي، الذي ارتفع بنسبة 3.4 بالمائة خلال الثلاثي الأخير، في حين كانت مساهمة صافي المبادلات الخارجية سلبية. هذا المعطى يسلط الضوء على استمرار هشاشة الميزان التجاري، ويؤكد أن أي استراتيجية نمو مستدام يجب أن تقوم على دفع الصادرات وتنويعها، مع تقليص التبعية للواردات، خاصة في مجال الطاقة والمواد الوسيطة. ويعني ذلك إعادة توجيه الاستثمار نحو القطاعات القابلة للتصدير، وتعزيز التكامل بين الفلاحة والصناعة والخدمات اللوجستية.

استشراف آفاق النمو في تونس

على هذا الاساس، يقتضي استشراف آفاق النمو في تونس، الانتقال من اقتصاد مدفوع بالاستهلاك والظرفية إلى اقتصاد يقوده الاستثمار الإنتاجي والتجديد التكنولوجي. ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية في أفق 2030. السيناريو المحافظ يفترض استمرار نسق نمو يتراوح بين 2 و3 بالمائة، مدفوعا بتحسن موسمي في الفلاحة وانتعاش محدود في السياحة. أما السيناريو الإصلاحي المتوسط فيفترض تسريع الإصلاحات الهيكلية وتحسين مناخ الأعمال، ما يسمح برفع النمو إلى حدود 4 بالمائة عبر تعميق التصنيع وتعزيز الصادرات بينما يفترض سيناريو التحول الديناميكي إطلاق سياسة صناعية وطاقية ورقمية مندمجة، ترفع الاستثمار الخاص، وتجذب رؤوس اموال أجنبية نوعية، بما يدفعالنمو إلى مستويات تفوق 5 بالمائة بشكل مستدام.

غير أن تحقيق السيناريو الأخير يظل مشروطا بإصلاحات أفقية داعمة، تشمل تحديث المنظومة الجبائية، وتطوير أدوات تمويل الاستثمار، وذلك بالتوازي مع إصلاح المؤسسات العمومية ذات العبء المالي المرتفع، وتحسين الحوكمة الاقتصادية. كما أن الاستثمار في رأس المال البشري، عبر مواءمة التعليم والتكوين مع حاجيات القطاعات الواعدة، يمثل حجر الزاوية في أي تحول هيكلي.

إن معطيات 2025 تمثل إشارة إيجابية على قدرة الاقتصاد التونسي على استعادة نسق نمو معتدل، لكنها في الآن ذاته تكشف حدود النمو القائم. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تسجيل نسبة 2.5 بالمائة، بل في تحويل هذه الديناميكية إلى مسار تصاعدي مستدام، قائم على تنويع القاعدة الإنتاجية، ورفع فعاليتها، وتعزيز القدرة التنافسية. ومن هنا فان المقاربة القطاعية الاستشرافية المتكاملة هي الطريق الامن بشكل فعلي لنقل الاقتصاد الوطني من مرحلة التعافي إلى مرحلة التحول الهيكلي العميق.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا