على مدى 250 عامًا من المكتسبات الديمقراطية التي انتُزعت بنضال شاق، ثم جاء هذا الانحدار. أقلّ ما يمكن قوله إن ملامح الولايات المتحدة الأمريكية قد بهتت تحت ضربات الجمهوري دونالد ترامب. لم تُسجَّل في تاريخ أمريكا نكسة بهذا الحجم، حتى في عهد آل بوش — الأب والابن — لم نشهد ذلك، وبالأحرى في عهد رونالد ريغان. وصورة ريغان تتصدر مكتب الرئيس ترامب، لكن مع عبارة بالغة السوء على الصورة: «ريغان كان معجبًا بترامب الشاب». لا شك أنه «يتقلب في قبره»، فقد تغيّر بلده كثيرًا.
النائب عن حزب «النهضة» الفرنسي (Renaissance)، إريك بوثوريل — من معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون — تعلّم بالطريقة الصعبة أن حرية التعبير تبدّلت وراء الأطلسي. فهذا المتخصص في القضايا الرقمية وملفات التدخلات الأجنبية، أُبلغ بأنه شخص غير مرغوب فيه في أمريكا، بحسب معلومات كشفت عنها صحيفة Le Canard enchaîné. وكان النائب المنتخب عن إقليم كوت دارمور (في بريتاني) يستعد للسفر إلى واشنطن ضمن وفد برلماني، لكن البيت الأبيض قرر غير ذلك…
وقال النائب لموقع HuffPost: «أُبلغت عبر منظم الزيارة أنه، خلافًا لبقية النواب، أنا الوحيد الذي ترفض الخدمة السرية (Secret Service) منحه اعتماد الدخول إلى البيت الأبيض».
وأضاف: «وهذا يبدو إلى حدّ كبير بداية المتاعب». وقد «نُصِح بشدة» بعدم القيام بهذه الزيارة، فاختار عدم ركوب الطائرة تفاديًا لمصير عالمٍ فرنسي في مارس 2025 أُعيد من المطار بعدما أدلى بتصريحات هجومية ضد الرئيس الأمريكي. ولم يحصل النائب القادم من بريتاني على تفسير رسمي، لكن الجميع فهم الرسالة…
ويبدو أنه يدفع ثمن المعركة التي يخوضها مع زميله الاشتراكي آرثر ديلابورت؛ إذ أحالا إلى القضاء الفرنسي «التغييرات الأخيرة في خوارزميات منصة X، وكذلك التدخلات الظاهرة في إدارتها منذ استحواذ إيلون ماسك عليها». لا أحد «يمسّ» قطب التكنولوجيا — والأغنى في العالم — صديق ترامب وداعم حملته الانتخابية، حتى وإن تباعدت طرقهما لاحقًا.
وبالتالي، لن يقوم بوثوريل برحلته إلى واشنطن… لكن هل سيقوم ماسك برحلته نحو باريس؟ للتذكير، فإن وكيلة الجمهورية لدى محكمة باريس تنتظره هناك في 20 أفريل المقبل للاستماع إلى إفادته بشأن اتهامات وُصفت بالخطيرة، من بينها التواطؤ في حيازة مواد مصوّرة ذات طابع استغلال جنسي للأطفال، والطعن في جرائم ضد الإنسانية (الإنكار). وإلى جانب ذلك، فُتح تحقيق في القضية، كما جرى تفتيش مقار المنصة في فرنسا.
وقد ردّ الملياردير بغضب شديد على الاستدعاء، الذي يُرجّح أنه لن يمتثل له؛ إذ لا يبدو أنه سيغامر، حتى لو حاولت القاضية التخفيف من وطأة الاتهامات الثقيلة. من جهتها، ردّت وزارة الخارجية الفرنسية بما يوازي هجوم مالك منصة X. وبوستوريل هو أول من يدفع ثمن المواجهة بين باريس وواشنطن. ويُتوقع أن تشهد المرحلة القادمة تجاذبات أخرى… وقد تُسحق أسماء أخرى تحت ثقل هذا الملف الكبير.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية