بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السرطان، آن الأوان لأن ننظر إلى الواقع كما هو، بلا تهويل ولا مجاملة. نعم، إن معدلات الإصابة بالسرطان تشهد ارتفاعًا مستمرًا على المستوى العالمي. ففي كل عام، يتلقى عدد أكبر من الأشخاص تشخيصًا بالسرطان.
شيخوخة السكان، النمو الديموغرافي، إضافة إلى تغيّر أنماط حياتنا و ادخال مظاهر كالتدخين، وتعاطي الكحول، وقلة الحركة، والسمنة، والغذاء الصناعي، وبعض المشاكل البيئية كتلوث الماء و الهواء و المحيط. غير أن اختزال هذا الواقع في كونه قدرًا محتومًا سيكون خطأً جسيمًا.
ففي الوقت نفسه، يبرز تطور آخر، غالبًا ما يحظى بتغطية إعلامية أقل، ويستحق أن يُسلَّط عليه الضوء: إذ إن الوفيات الناجمة عن السرطان تشهد انخفاضًا نسبيًا، ولا سيما في الدول الغربية. وبعبارة أخرى، نحن نشخّص حالات أكثر، لكننا نفقد أرواحًا أقل بسبب السرطان. وهذا التناقض الظاهري يعكس في الحقيقة تقدمًا طبيًا وصيدلانيا هائلًا.
ويقوم هذا التقدم على تحوّل جذري في مقاربة علاج الأورام. فعلى مدى عقود، اعتمد علاج السرطان أساسًا على العلاج الكيميائي السامّ للخلايا، وهو علاج فعّال لكنه مرهق، وغالبًا ما يرافقه عبء كبير من الآثار الجانبية. أما اليوم، فقد دخلنا عصرًا جديدًا. لقد أصبحنا في زمن العلاجات الموجّهة، والعلاج المناعي، وبصورة أوسع، الطب الدقيق.
فالعلاج المناعي، بأشكاله المختلفة، لم يعد يستهدف تدمير الورم بشكل أعمى، بل يهدف إلى تحفيز الجهاز المناعي للمريض ليقوم بدوره. أما العلاجات الموجّهة، فتستهدف اختلالات جزيئية محددة في الخلايا السرطانية. كما باتت أدوات التشخيص الجينومي تمكّننا من فهم السرطان في أدق مستوياته، ومن تكييف العلاج وفق الخصائص الفردية لكل مريض.
وفي بعض أنواع السرطان، غيّرت هذه الابتكارات مسار أمراض كانت قاتلة في وقت قصير، لتصبح أمراضًا مزمنة، وأحيانًا قابلة للشفاء. ويجب أن يُقال ذلك بوضوح: لدينا أسباب حقيقية للتفاؤل. فالعلم يتقدم، وبوتيرة سريعة.
فاليوم، لا يزال الوصول إلى الابتكار العلاجي غير متكافئ على نحو صارخ. وتظلّ القارة الإفريقية، على وجه الخصوص، تعاني من نقص في التشخيص والعلاج. وليس ذلك بسبب غياب الكفاءات البشرية أو العلمية، بل لأن تكلفة الابتكار الطبي لا تزال مرتفعة، ولأن البنى التحتية اللازمة غير كافية أو موزعة بشكل غير عادل. والنتيجة أن ملايين المرضى محرومون من علاجات متوافرة في أماكن أخرى من العالم. وهذه الوضعية ليست ظالمة فحسب، بل هي أيضًا غير مجدية على الصعيد العالمي.
فالابتكار الطبي يعتمد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الذكاء الاصطناعي وبيانات الصحة.
وإفريقيا، بما تملكه من سكان شباب وكثافة بشرية كبيرة، تمثل طاقة علمية وسريرية وإنسانية هائلة. واستبعادها يعني إبطاء عجلة الابتكار للجميع. ومن هذه القناعة وُلد مشروع صفر سرطان CancerZero.
إن طموحي بسيط في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في تنفيذه: إعادة إفريقيا إلى المستوى ذاته من حيث الوصول إلى الرعاية الصحية والابتكار، كما هو الحال في بقية أنحاء العالم.
ويتحقق ذلك عبر إنشاء مراكز بحث وتطوير وتصنيع للعلاجات داخل القارة الإفريقية، تكون مترابطة مع نظيراتها في أوروبا والأمريكيتين وغيرها.
أما الرعاية الروتينية، فستتولاها كوادر عالية التدريب، ثم على المدى البعيد تقنيات ذكية وروبوتات للرعاية الصحية. لقد آن الأوان لأن نتجاوز هدف «إضافة سنوات إلى الحياة». حان وقت إضافة الحياة إلى السنوات. فمن خلال القضاء على بعض الأمراض، وتأخير الشيخوخة، ووضع الوقاية في صميم مجتمعاتنا، يمكننا أن نمكّن الإنسان من العيش أطول، بصحة أفضل، وبكرامة. فالصحة إما أن تكون عالمية، أو لا تكون. والتنمية إما أن تكون مشتركة، أو تفشل. والابتكار لا يكون ابتكارًا حقيقيًا إلا حين يصبح متاحًا للجميع. وربما عندها، يتوقف الحلم القديم بالإنسان السليم الدائم بل بالإنسان «الخالد» كما يراه البعض عن كونه أسطورة، ليغدو حقيقة علمية وإنسانية
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية