كثيراً ما يُنظر إلى عجز ميزانية الدولة على أنه اشكال كبير وخطر يجب التحكم فيه بأي ثمن. غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً من ذلك. فالعجز قد يساهم أحياناً في دعم الاقتصاد، وامتصاص الصدمات، ومواكبة النمو، شريطة أن يبقى في حدود يمكن التصرف فيها وادارتها.
يأتي ذلك ضمن ما خلصت إليه دراسة نُشرت على منصة “الاقتصاد للجميع’، وهي منصة متخصصة في تبسيط المفاهيم الاقتصادية، حيث جرى التأكيد على أن الدولة قد تنفق أحياناً أكثر مما تحصّله من موارد تحت تاثير عدة عوامل وهو ما يبرز غالباً خلال فترات الأزمات، عندما يتباطأ النشاط الاقتصادي، وتتراجع العائدات الجبائية، وترتفع الحاجيات للإنفاق الاجتماعي. وفي مثل هذه الحالات، يمكن للعجز أن يؤدي دور الصمّام الواقي من الهزات الاقتصادية الظرفية ويحد من تداعياتها السلبية لا سيما على مستوى الاستقرار المؤسساتي.
التحديات والاتجاهات
من هذا المنظور، يُلاحظ أن تونس حافظت على هذا التوازن نسبياً على مدى عدة عقود، غير أن إشارات الخطر بدأت في التزايد بعد ثورة 2011 إذ لم يعد العجز ظرفياً، بل أصبح هيكلياً، وبدأ الدين العمومي ينمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على استيعابه.
وفي هذا السياق، تكشف بعض الأرقام مسار هذا التطور:
تجاوز العجز في الميزانية نسبة 6% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2013، وهو مستوى مرتفع تاريخياً؛
بلغ الدين العمومي قرابة 55% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2015، مقابل نحو 40% قبل سنة 2010؛
أصبح العجز الأولي (دون اعتبار فوائد الدين) سلبياً بشكل كبير بعد سنة 2011.
وتعكس هذه المؤشرات تراجع استدامة التوازنات المالية، بحكم ارتفاع الدين العمومي طيلة العشرية الفارطة بوتيرة أسرع من النمو الاقتصادي، ما اضعف قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المستقبلية.
وفي هذا الإطار، تؤكد الدراسة، مع ذلك، أن العجز العمومي ليس شراً في حد ذاته، بل انه قد يكون الية مفيدة، بل وضرورية أحياناً. غير أن التجربة التونسية تُظهر أن العجز المطوّل، وغير الموجّه جيداً، والمموّل بشكل غير سليم، ينتهي إلى إضعاف الاقتصاد.
آفاق إيجابية
منذ سنة 2011، أدّت تركيبة الانتقال المؤسساتي المعقّد والخيارات المالية المقيّدة إلى جعل الدين العمومي أكثر صعوبة في السيطرة عليه.
وتوضح الدراسة أن استعادة استدامة المالية العمومية لا تتحقق فقط عبر التخفيض من النفقات، بل من خلال رؤية بعيدة المدى، تقوم على نمو أكثر شمولاً، ومؤسسات قادرة على إنجاز إصلاحات مستدامة.
يُذكر أن تونس تسجّل مساراً تنازلياً في عجز الميزانية، تُوّج بنتائج قياسية في نهاية سنة 2025. فإلى موفى شهر سبتمبر الماضي، حققت تونس فائضاً في الميزانية قدره 655.5 مليون دينار، مقابل عجز بقيمة 705 ملايين دينار خلال الفترة نفسها من السنة السابقة.
وبلغت موارد الميزانية 36 مليار دينار، مدعومة بتعبئة قوية للموارد الجبائية (33.4 مليار دينار). وتم حصر العجز السنوي في الميزانية لسنة 2024 في حدود 10 مليارات دينار. كما تتوقع الحكومة تقليصاً تدريجياً للعجز ليبلغ 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2026 الجارية. ويعتمد هذا التحسن على انضباط صارم في تنفيذ الميزانية وسياسة مبنية على تحقيق الاكتفاء المالي الذاتي.
وتجدر الإشارة إلى أن منصة “الاقتصاد للجميع” كانت قد أُطلقت مؤخرا في إطار برنامج “نحكيو اقتصاد”، المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي والمنفّذ من طرف الوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية. ويشرف على هذه المبادرة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات بالشراكة مع المعهد العربي لحقوق الإنسان.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية