لم تكن حادثة اقتحام الشرطة الإسرائيلية لحرم كنيسة “باتير نوستر” في القدس الشرقية في نوفمبر 2024، ولا واقعة تهديد عنصرين من الشرطة العسكرية الإيطالية بالسلاح في الضفة الغربية يوم 27 جانفي 2026، مجرّد تفاصيل عابرة في سجلّ التوترات الدبلوماسية. بل شكّلتا، معًا، مرآة كاشفة لفارق عميق في طريقة تعاطي دولتين أوروبيتين كبيرتين مع سلوك إسرائيلي يضرب عرض الحائط بالأعراف الدبلوماسية وبسيادة الدول.
في خريف 2024، كان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يستعدّ لزيارة موقع ديني يقع ضمن الأوقاف الفرنسية في القدس الشرقية، وهي ممتلكات تتمتع بوضع قانوني خاص وتخضع لإدارة باريس منذ القرن التاسع عشر. غير أن الشرطة الإسرائيلية اقتحمت المكان قبل وصوله، واعتقلت عنصرين من الأمن الفرنسي داخل الحرم الكنسي، في مشهد صادم وثّقته الكاميرات، وأظهر عنفًا وإذلالًا لعناصر يعملون فوق أرض تديرها دولة أجنبية.
ورغم رمزية الموقع وخطورة الانتهاك، جاء الردّ الفرنسي باهتًا. اكتفى الوزير بتوصيف ما جرى بأنه “غير مقبول”، محذّرًا من تأثيره على العلاقات الثنائية، ثم علّق زيارته للمكان لساعات قبل أن يواصل برنامجه. موقف بدا، في نظر كثير من المراقبين داخل فرنسا نفسها، أقل بكثير من مستوى الإهانة التي طالت السيادة والرمزية التاريخية للحضور الفرنسي في القدس، خاصة عند مقارنته بموقف الرئيس الراحل جاك شيراك سنة 1996، حين واجه الأمن الإسرائيلي بلهجة حازمة وهدّد بمغادرة البلاد فورًا.
بعد أكثر من عام، وتحديدًا في 27 جانفي 2026، تكرّر المشهد ولكن بوجوه مختلفة. في الضفة الغربية المحتلة، أوقف إسرائيلي مسلح عنصرين من الشرطة العسكرية الإيطالية كانا في مهمة ميدانية تحضيرية لزيارة سفراء أوروبيين قرب رام الله. ووفق المعطيات الرسمية، أُجبر الشرطيان على الركوع تحت تهديد السلاح، وتعرّضا لاستجواب مهين، رغم تنقلهما بسيارة تحمل لوحات دبلوماسية وحيازتهما جوازات سفر دبلوماسية.
هذه المرة، لم تتأخر العاصمة المعنية في الردّ. روما تحرّكت فورًا، فاستدعت السفير الإسرائيلي وقدّمت احتجاجًا رسميًا شديد اللهجة، ووصفت ما جرى بأنه “انتهاك خطير” يمسّ سلامة عناصر في مهمة دبلوماسية، وفتحت قنوات اتصال مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية والجيش والشرطة وجهاز الأمن الداخلي، مطالبة بتوضيحات وضمانات بعدم تكرار الحادث.
بين نوفمبر 2024 وجانفي 2026، وبين القدس الشرقية والضفة الغربية، لا يبرز فقط اختلاف في طبيعة الحادثتين، بل يتجسّد تباين في فلسفة الردّ. فرنسا اختارت لغة دبلوماسية ناعمة، حريصة على عدم توتير العلاقات مع تل أبيب، حتى وإن كان ذلك على حساب رمزية سيادتها وأوقافها التاريخية. أما إيطاليا، فتعاملت مع المساس بعناصرها بوصفه خطًا أحمر، وردّت بتحرك سياسي واضح وسريع، أراد أن يذكّر بأن الكرامة الدبلوماسية ليست محلّ مساومة.
هذا التفاوت في المواقف يعكس إشكالية أعمق داخل الاتحاد الأوروبي نفسه: هل يُواجَه السلوك الإسرائيلي بسياسة بيانات الاستياء وضبط النفس، أم بمواقف صريحة تضغط وتحاسب عندما تُنتهك القواعد والأعراف؟ الزمن، بين حادثتي 2024 و2026، لم يكشف فقط عن سلوك على الأرض، بل فضح أيضًا ميزان الجرأة السياسية بين عاصمتين أوروبيتين في الدفاع عن هيبة الدولة واحترام القانون الدولي.
ورغم أن الموقف الإيطالي، على صرامته النسبية، كان يمكن أن يذهب أبعد في الحزم والضغط الدبلوماسي، بما يرقى إلى مستوى الاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة التي تبدو وكأنها اختبار ممنهج لكرامة الدبلوماسية الأوروبية وحدود صبرها، فإنّه يظلّ، في كلّ الأحوال، أكثر وضوحًا وشجاعة من الموقف الفرنسي الذي اتّسم بالضعف والمهادنة، وافتقر إلى أي خطوة عملية تعكس حجم الإهانة التي تعرّضت لها السيادة والهيبة الدبلوماسية لباريس في القدس.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية