الجحود مؤلم. قد يظهر في العلاقة الزوجية، أو الصداقة، أو الأسرة، أو في محيط العمل: نعطي، نساعد، نبذل الجهد… ثم لا نحصد في المقابل سوى التجاهل، أو الاحتقار، أو برودٍ قاسٍ. وهنا يبرز سؤال إنساني عميق: كيف نُواجه الجحود دون أن نتحطم من الداخل؟ هل نصمت؟ هل نواجه؟ هل نبتعد؟ هل نسامح؟
يتناول القرآن هذا الموضوع بوضوح لافت، إذ يصف الجحود كسلوك مدمّر، لكنه في الوقت نفسه يقدّم منهجًا يحمي الإنسان من التآكل الداخلي. وعند مقارنة هذه المبادئ بالمعارف الحديثة، نكتشف أنها تلتقي مع مفاهيم نفسية معاصرة مثل الامتنان، وضبط النفس، وخفض التصعيد، والحدود الصحية، والعدالة، والمرونة النفسية.
أولًا، الفهم قبل الرد: الجحود لا يجب أن يسرق سلامك الداخلي
يضع القرآن مبدأً أساسيًا مفاده أن امتنانك لا يجب أن يكون رهينة نظرة الآخرين. من يشكر، ينمو من داخله، ومن ينكر الخير إنما يسيء إلى نفسه قبل غيره.
سورة لقمان (31:12)
أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
المعنى: كن شاكرًا لله، فمن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن يكفر فإن الله غني حميد.
الدلالة العملية هنا واضحة: قد تتألم، لكنك لست مجبرًا على أن تصبح حاقدًا. ويؤكد علم النفس الحديث أن ممارسة الامتنان بانتظام تحسّن التوازن النفسي وتقلّل الاجترار الذهني، وتمنح استقرارًا داخليًا حتى في البيئات غير العادلة.
الرد دون انحدار: لا تُقابل الإساءة بالإساءة
القرآن لا يدعو إلى السلبية أو الاستسلام، لكنه يرفض الانحدار الأخلاقي إلى مستوى الظلم.
سورة فصلت (41:34)
وَلَا تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
من زاوية نفسية، هذا توجّه واضح نحو خفض التصعيد. “الدفع بالأحسن” قد يكون صمتًا واعيًا، أو كلمة هادئة، أو موقفًا حازمًا بلا انفعال، أو انسحابًا كريمًا. في علم السلوك، يُسمّى هذا التنظيم الانفعالي، أي اختيار استجابة نافعة بدل رد فعل اندفاعي.
العفو دون ضياع الذات: متى تمرّ وتتجاوز
يوصي القرآن بموقف متوازن يجمع بين الحزم والسكينة، العفو حين يكون ممكنًا، وعدم الانخراط في صراعات عبثية.
سورة الأعراف (7:199)
خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ
المعنى: خذ العفو، وأمر بالمعروف، وأعرض عن الجاهلين.
المغزى هنا أنك لست مطالبًا بإقناع من يرفض العدالة أو الاعتراف بالجميل. أحيانًا، أفضل قرار هو عدم تغذية الاستفزاز أو تضخيم الأنا الجريحة. نفسيًا، هذا ما يُعرف بالنظافة العاطفية: عدم استنزاف الذات في علاقات سامة أو البحث عن التقدير ممن لا يعرف قيمته.
الثبات أمام الكلمات الجارحة: لا تجعل الأذى قائدك
ينصح القرآن بعدم السماح للأذى بأن يتحكم في مسار السلوك.
سورة الأحزاب (33:48)
وَلَا تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ
المعنى: لا تطعهم، ودع أذاهم، وتوكّل على الله.
الترجمة الإنسانية لذلك بسيطة وعميقة: لا تسمح للجحود بأن يحدد أفعالك، ولا تحوّل قلبك إلى ساحة معركة دائمة. نفسيًا، هذه إحدى ركائز المرونة النفسية، أي القدرة على الانفصال عمّا يؤذينا، والتركيز على ما نملكه فعلًا: قراراتنا، حدودنا، وكرامتنا.
العدالة بوصلتك: لا تصبح ظالمًا بسبب جحود الآخرين
الخيانة أو النسيان قد يدفعان الإنسان إلى القسوة أو الانتقام. وهنا يضع القرآن حدًا أخلاقيًا صارمًا: ظلم الآخر لا يبرر ظلمك.
سورة المائدة (5:8)
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ
المعنى: لا يحملنّكم بغض قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى.
علم النفس يؤكد أن البقاء منسجمًا مع القيم الشخصية يحمي الإنسان من الندم والذنب وتحقير الذات. هذا ليس ضعفًا، بل ثبات داخلي.
الجحود له ثمن: من يحمله يدفعه أولًا
يذكّر القرآن بأن الجحود ليس سلوكًا بلا تبعات، بل يخلّف آثارًا أخلاقية وروحية عميقة.
سورة إبراهيم (14:7)
لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ
المعنى: لئن شكرتم لأزيدنّكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
الرسالة واضحة: الامتنان يبني، والجحود يهدم. وفي الواقع المعاصر، نرى أن الأشخاص الغارقين في السخرية والازدراء غالبًا ما ينتهون إلى العزلة والاضطراب والصراع الدائم.
خيرك لا يضيع، حتى إن لم يُعترف به
من أكثر ما يمنح الطمأنينة في القرآن عند مواجهة الجحود، أن الخير يظل خيرًا، حتى إن لم يُصفّق له أحد.
سورة هود (11:115)
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
المعنى: اصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
هذا يتقاطع مع مبدأ نفسي أساسي: عدم ربط قيمة الذات حصريًا بالتقدير الخارجي، لأن ذلك يجعل الإنسان رهينة لجحود الآخرين.
علم النفس الحديث يؤكد المعادلة: امتنان + حدود صحية
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الامتنان عامل أساسي للرفاه النفسي، وأن ضبط النفس والرد “بالأحسن” يخففان التصعيد، وأن العفو قد يكون محررًا بشرط ألا يتحول إلى خيانة للذات، وأن أفضل حماية من الجحود المزمن هي وضع حدود واضحة، كأن تقول لا، أو تبتعد، أو تقطع الوصول إلى ما يؤذيك.
ومن المهم التأكيد أن هذه المبادئ القرآنية لا تعني القبول بالعنف أو الإيذاء. فـ“الإعراض عن الجاهلين” قد يعني عمليًا: التوقف عن التعرض للأذى.
الرد على الجحود بكرامة لا بمرارة
يقدّم القرآن موقفًا متكاملًا في مواجهة الجحود: أن تبقى شاكرًا، وألا تردّ الشر بالشر، وأن تحافظ على العدالة، وتحمي نفسك من الاستفزاز، وألا تسمح لأنا الآخرين بسرقة سلامك الداخلي.
وهذا ينسجم تمامًا مع توصيات علم النفس الحديث: الامتنان كقوة داخلية، والتنظيم الانفعالي، وخفض النزاعات، والانسجام القيمي، والأهم من ذلك، الحدود الصحية.
في النهاية، أقوى رد على الجحود هو هذا: أن تواصل كونك شخصًا صالحًا، من دون أن تسمح لظلم الآخرين بأن يحوّلك إلى شخص لا تحب أن تكونه.
🕌 يمثّل هذا النص انطلاقة سلسلة مقالات تُنشر كل يوم جمعة، تسلّط الضوء على مسارات شخصيات مشهورة اعتنقت الإسلام، وتستعرض الأسباب التي شكّلت رحلتها، وغالبًا ما كانت بدايتها اكتشافات عميقة من هذا النوع.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية