من نخيل الأغوار إلى الذكاء الاصطناعي.. رحلة تمر "المجهول" الأردني إلى العالم
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الأغوار الشمالية- قبل أن يبدد ضوء الصباح عتمة الأغوار الأردنية، يكون علي الزعاترة قد سبق الشمس إلى مزارع النخيل، ليبدأ يومه عند الخامسة فجرا، حين لا تزال حرارة الوادي محتملة، ويتنقل بين النخيل لجني ثمار التمر قبل أن تشتد الشمس ويصبح العمل تحتها أكثر مشقة.
بالنسبة إلى الزعاترة، ليست النخلة مجرد شجرة ينتظر منها محصولا في نهاية الموسم، بل رفيقة عمر ومصدر رزق أبقى كثيرا من أبناء الأغوار قريبين من بيوتهم وأرضهم.
قصص مقترحة
list of 4 items* list 1 of 4 فائض إنتاج وحظر تصدير.. أزمة تمور ليبيا تتصاعد مع اقتراب الموسم الجديد
* list 2 of 4 السعودية تتصدر صادرات التمور عالميا للعام الرابع بقيمة 517 مليون دولار
* list 3 of 4 كبس التمور.. تراث عراقي يتحدى التطور في ذي قار
* list 4 of 4 تونس تستهدف توسيع تصدير التمور بعد تجاوز العائدات 335 مليون دولار end of list
ويقول للجزيرة نت إن العمل في مزارع التمور منح أبناء المنطقة فرصة لأن يصنعوا رزقهم في قراهم، بدلا من الرحيل إلى العاصمة عمّان أو محافظات أخرى بحثا عن فرصة عمل.
ويتحدث الزعاترة عن موسم القطاف كما لو أنه موعد ينتظره أهل الوادي عاما بعد عام. فالنخلة "تعطي من يخدمها" كما يقول، وكل مرحلة من حياتها تحتاج إلى يد تعرفها، من العناية والتلقيح ومتابعة الثمار وصولا إلى القطاف.
مصدر الصورة
لماذا ينجح "المجهول" في الأردن؟
يقول المهندس إبراهيم شعراوي -وهو مالك عدد من مزارع النخيل في الأردن- للجزيرة نت إن شهرة المملكة بتمر المجهول ترتبط بصورة أساسية ببيئة وادي الأردن وخصائصه المناخية، مشيرا إلى أن انخفاض المنطقة الكبير عن سطح البحر يوفر ظروفا تساعد على إنتاج ثمار ذات جودة مرتفعة.
ويضيف أن درجات الحرارة خلال أشهر الصيف من مايو/أيار حتى سبتمبر/أيلول، إلى جانب الفارق المناسب بين درجات الحرارة ليلا ونهارا، توفر بيئة ملائمة لنمو تمر المجهول ونضجه.
ويلفت شعراوي إلى أن ثمرة المجهول تتميز بشكلها وخصائصها، وتظهر على سطحها خطوط طولية أشبه بخريطة صغيرة، معتبرا أن البيئة في الأردن والمناطق المجاورة في الضفة الغربية من أكثر البيئات ملاءمة لنجاح هذا الصنف وإنتاجه بجودة عالية.
مصدر الصورة
مليون نخلة و700 مزرعة
وتكشف أرقام القطاع حجم التحول الذي شهدته زراعة النخيل في الأردن. ويقول رئيس مجلس إدارة جمعية التمور الأردنية أنور حداد للجزيرة نت إن المملكة تضم نحو مليون نخلة، أكثر من 85% منها من صنف المجهول، ونحو 10% من صنف البرحي، في حين تشكل الأصناف الأخرى نحو 5%.
ويضيف حداد أن عدد المزارع بلغ أكثر من 700 مزرعة، تمتد على مساحة تتجاوز 56 ألف دونم، بإنتاج يزيد على 37 ألف طن، في حين تجاوزت الاستثمارات في القطاع نصف مليار دولار.
ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند الإنتاج، إذ يؤكد حداد أن القطاع يوفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل، تشكل النساء أكثر من 40% منها، ويضم 15 مشغلا بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 20 ألف طن سنويا، في حين يصل متوسط استهلاك الفرد الأردني من التمور إلى نحو 4 كيلوغرامات سنويا.
مصدر الصورة
الذكاء الاصطناعي يفحص الحبة
وبعد انتهاء القطاف تبدأ مرحلة أخرى أكثر دقة، ويقول المستثمر في مجال تمور المجهول قصي غوانمة للجزيرة نت إن عمليات الحصاد تتركز خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، ثم يُنقل المحصول إلى مراكز الفرز والتعبئة.
وتبدأ الرحلة -بحسب غوانمة- بالفرز اليدوي وإزالة الشوائب والثمار التالفة، قبل إدخال التمور إلى مرحلة الفرز باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن كل حبة تمر يجري تصويرها 36 صورة باستخدام تقنيات وأشعة مختلفة، إلى جانب قياس مستوى الرطوبة وكثافة المياه داخلها، لتحديد درجتها وفق معايير تشمل التقشير والرطوبة والجفاف واللون ودرجة تغيره.
ويوضح غوانمة أن تمر المجهول يمكن تصنيفه إلى 18 صنفا، وقد يصل إلى 20 صنفا، تبدأ من النخب الأعلى وتتدرج إلى التصنيفات الأخرى.
وبعد الفرز، تنتقل الثمار إلى آلات التعبئة والتغليف الحديثة والتأكد من مطابقتها معايير الجودة، قبل إدخالها إلى مرافق تبريد تصل حرارتها إلى 18 درجة مئوية تحت الصفر، للمحافظة على جودة المنتج ونضجه خلال التخزين والنقل.
مصدر الصورة
الأردنيات في خطوط الإنتاج
وتبرز العمالة النسائية في مراحل الفرز والتعبئة والتغليف. ويقول غوانمة إن منشآته تعتمد على عاملات أردنيات خضعن لتدريب متواصل على مدار نحو 6 أعوام، حتى وصلن إلى مستويات متقدمة في التعامل مع عمليات التصنيف والفرز والتعبئة.
وتنسجم هذه التجربة مع أرقام جمعية التمور الأردنية التي تشير إلى أن النساء يشكلن أكثر من 40% من العاملين في القطاع، في مؤشر على الأثر الاجتماعي للقطاع إلى جانب قيمته الزراعية والتصديرية.
ويقول حداد إن العمالة بمفردها تستحوذ على نحو 70% من تكلفة الإنتاج، وهو ما يدفع المنتجين إلى التوسع في التكنولوجيا لرفع الكفاءة وخفض التكاليف مع الحفاظ على جودة المنتج.
مصدر الصورة
65% من الإنتاج إلى الخارج
وبعد التعبئة تبدأ رحلة أخرى نحو الأسواق الخارجية. ويقول غوانمة إن حجوزات التصدير تبدأ مبكرا منذ يوليو/تموز، وتشمل أسواقا أوروبية و تركيا ودولا عربية، لافتا إلى تنامي الطلب الأوروبي على تمر المجهول.
ويقدّر حداد أن نحو 65% من إنتاج التمور الأردنية يُصدَّر إلى الخارج، بقيمة تقارب 60 مليون دينار سنويا، متوقعا ارتفاع قيمة الصادرات إلى نحو 150 مليون دينار بعد اكتمال دخول جميع المساحات المزروعة مرحلة الإنتاج.
وتُظهر أرقام الصادرات حجم التحول، إذ صدّر الأردن 720 طنا بقيمة 473 ألف دولار عام 2001، قبل أن ترتفع الكمية إلى 2209 أطنان بقيمة 3.651 ملايين دولار عام 2006.
وفي عام 2012 بلغت الصادرات 2704 أطنان بقيمة 5.551 ملايين دولار، ثم ارتفعت عام 2018 إلى 6603 أطنان بقيمة 19.781 مليون دولار، وصولا إلى 20083 طنا بقيمة 71.946 مليون دولار عام 2024.
عامل أردني يستعرض التمور قبل دخولها في مراحل الجودة والتغليف (الجزيرة)مزارع أكثر ذكاء
ولا يتوقف التحول عند خطوط التعبئة. يقول حداد للجزيرة نت إن القطاع بدأ استخدام التطبيقات الرقمية في إدارة المزارع، ويتجه إلى التوسع في أنظمة الأقمار الصناعية ومؤشرات صحة الغطاء النباتي "NDVI"، وصور المسح الجوي وإدارة المزارع عن بعد.
كما تشمل التقنيات أنظمة الري والتسميد الذكي وحساسات التربة والأوراق ومصائد الحشرات الذكية وأجهزة كشف الآفات، في حين دخل الذكاء الاصطناعي بالفعل في عمليات التدريج والفرز والتعبئة والتغليف.
لكن القطاع -وفق حداد- لا يخلو من تحديات، في مقدمتها وفرة المياه وجودتها، وتوافر العمالة المدربة وارتفاع تكلفتها، والحشرات والأمراض الوبائية، والتوسع العشوائي، وعدم استقرار السياسات الزراعية، إضافة إلى صعوبات التسويق واشتداد المنافسة العالمية.
وفي المقابل، يرى فرصا واسعة مع تزايد الطلب العالمي على التمور والمنتجات العضوية، وارتفاع الوعي بقيمتها الغذائية، والاهتمام ب الأمن الغذائي، والتطور التقني والطاقة البديلة والشمسية وتغير أذواق المستهلكين.