محمود عباس يؤجّل الانتخابات التشريعية إلى سبتمبر 2027 لإجرائها بالتزامن مع الرئاسية
أرجأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس، السبت، الانتخابات التشريعية التي كان من المقرر إجراؤها الشهر المقبل، والتي كانت ستكون الأولى منذ 20 عاماً، داعياً إلى تنظيمها بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية في أيلول/سبتمبر 2027.
أوردت وكالة "وفا" الرسمية أن عباس أصدر "مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 11 أيلول/سبتمبر 2027، وذلك بناء على قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير"، بعد إلغاء المرسوم السابق الذي حدد 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية.
وجاء القرار عقب اجتماعات عُقدت في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية، وسط خلافات بشأن توقيت الانتخابات وإمكان إجرائها في ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، فضلاً عن الانقسامات الداخلية المستمرة منذ سنوات.
وكان نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، محمد الهندي، قد أعلن، الخميس، في تصريح لوكالة "أسوشيتد برس"، أن الفصائل توصلت خلال اجتماعات القاهرة إلى تفاهمات بشأن استئناف الحوار الوطني الفلسطيني، واتّفقت على تأجيل الانتخابات المقبلة. وأوضح أن وفد حركة فتح سيعود إلى رام الله لاستكمال المشاورات، تمهيداً لاتخاذ القرار النهائي.
مصدر الصورة
من جهته، أكد المتحدث باسم حركة فتح، عبد الفتاح دولة، أن الحركة تتمسك بإجراء الانتخابات، لكنها تجري حواراً مع بقية الفصائل بشأن موعدها، في ضوء الدعوات إلى تأجيلها والظروف الميدانية الصعبة التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية. ووصف المناقشات التي جرت في القاهرة بأنها "إيجابية جداً"، من دون أن يؤكد حينها التوصل إلى قرار نهائي.
عقبات أمام الانتخابات
تواجه العملية الانتخابية عقبات سياسية ولوجستية كبيرة، لا سيما في قطاع غزة الذي تعرض لدمار واسع جراء الحرب، والقدس الشرقية التي سبق أن شكّلت مسألة تنظيم الاقتراع فيها إحدى أبرز نقاط الخلاف. كما أن الفصائل الرئيسية لم تكن قد سجلت قوائمها الانتخابية، رغم اقتراب الموعد النهائي لتقديم الترشيحات، إذ لم يكن يفصلها عنه سوى أقل من أسبوع.
ويأتي ذلك في وقت تضغط فيه دول داعمة للسلطة الفلسطينية من أجل إجراء الانتخابات، باعتبارها جزءاً من إصلاحات سياسية ومؤسسية أوسع. وقد يؤدي تأجيل الاستحقاق مجدداً إلى توتر العلاقات بين السلطة والجهات المانحة التي تساهم في تمويلها، خصوصاً أن القيادة الفلسطينية سبق أن أرجأت مواعيد انتخابية في اللحظات الأخيرة، مستندة إلى عقبات من بينها صعوبة تنظيم الحملات الانتخابية والتصويت في القدس الشرقية.
وفي هذا السياق، اعتبر عضو المكتب السياسي لحركة حماس ، باسم نعيم، أن تحديد موعد الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر كان خطوة سابقة لأوانها، مشدداً على ضرورة أن تستند العملية الانتخابية إلى حوار وطني فلسطيني متين، يتيح التوافق على كيفية إدارة الخلافات الداخلية والتعامل مع الصراع القائم، وصولاً إلى قيادة موحدة ورؤية مشتركة لتمثيل الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.
وأكد نعيم أن حماس ستدعم تأجيل الانتخابات إذا كان ذلك سيفسح المجال أمام إجراء مثل هذا الحوار، معتبراً أن الاقتراع يجب أن يكون جزءاً من عملية ديمقراطية أوسع، لا مجرد استحقاق منفصل عن التفاهمات السياسية بين الفصائل.
الانقسام الفلسطيني
يعيد تأجيل الانتخابات تسليط الضوء على أزمة الشرعية السياسية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، في ظل غياب الانتخابات العامة منذ عقدين وتراجع شعبيتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث ينظر إليها كثير من الفلسطينيين باعتبارها عاجزة عن تحقيق تطلعاتهم، فيما يوجه آخرون إليها اتهامات بالفساد والتنسيق مع إسرائيل على نحو يتعارض مع مصالحهم.
وتعود آخر انتخابات تشريعية فلسطينية إلى عام 2006، حين فازت حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي البالغ عددها 132 مقعداً. وأعقب ذلك مقاطعة إسرائيلية وغربية للحكومة التي شكلتها الحركة، ما ساهم في تأجيج الاضطرابات الداخلية التي انتهت بسيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007.
ومنذ ذلك الحين، تعثرت محاولات استعادة الحياة البرلمانية، إذ حل عباس المجلس التشريعي عام 2018، قبل أن يؤجل الانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها عام 2021، ما أدى إلى استمرار غياب مؤسسة تشريعية منتخبة وتجدد الانتقادات بشأن إدارة السلطة عبر المراسيم الرئاسية.
لكن التوجه نحو التأجيل لم يحظ بإجماع جميع الفصائل، فقد حذر عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، حلمي الأعرج، من استخدام شرط التوافق الوطني ذريعة لتعطيل الانتخابات، معتبراً أنها تشكل فرصة لإنهاء الحكم بالمراسيم والسلطة الفردية. وقال الأعرج إن تأجيل الاقتراع سيكلف السلطة الفلسطينية ما تبقى من مصداقيتها لدى شعبها والمجتمع الدولي.
مصدر الصورة
تحالفات غير متوقعة
قبل موعد الانتخابات الذي كان محدداً في تشرين الثاني/نوفمبر، برز تقارب غير متوقع بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي وتيار يقوده محمد دحلان، القيادي السابق في حركة فتح، في تحالف بدا موجهاً ضد الرئيس محمود عباس.
وكان دحلان قد أُبعد عن الحركة عام 2010 إثر خلاف مع عباس، بعدما أخرجته حماس من قطاع غزة، قبل أن ينسج علاقات وثيقة مع الإمارات، حيث يشغل منصب مستشار لحاكمها، ويحافظ على اتصالات واسعة مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين.
وفي موازاة هذه التحالفات، لا تزال محاولات توحيد الصف الفلسطيني تواجه عقبات سياسية، إذ تعثرت على مدى السنوات الماضية الجهود الرامية إلى ضم حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير الفلسطينية، التي تقودها فتح وتمثل القضية الفلسطينية دولياً.
وتُعد مسألة اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل من أبرز نقاط الخلاف، إذ أبدت حماس استعدادها لقبول دولة فلسطينية في الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1967، من دون الاعتراف بها، فيما تتبنى الجهاد الإسلامي موقفاً أكثر تشدداً. وتصنف الولايات المتحدة ودول غربية الحركتين ضمن المنظمات "الإرهابية"، وترفض مشاركة حماس في أي حكومة.