العام الدراسي الأغلى في إيران.. كيف يتحمل أولياء التلاميذ فاتورة الحرب؟
طهران– استقبلت الأسر الإيرانية العام الدراسي الجديد في ظل الأوضاع الصعبة التي فرضتها الحرب، ومن أبرز ملامحها ارتفاع عام في أسعار قائمة طويلة من السلع اللازمة للدراسة، خاصة مع تراجع سعر صرف الريال الإيراني أمام الدولار، وانخفاض قدرة الحكومة على تقديم الخدمات بالمستوى الذي كان متاحا قبل الحرب.
ولم يكن العام الدراسي الجديد مثل سابقه من الأعوام الأخرى بالنسبة للشابة مينا (37 عاما)، وهي ربة بيت وأم لتلميذتين، وتقول للجزيرة نت إن "إعادة فتح أبواب المدارس أضحت ثقيلة على قلوب أولياء الأمور. لقد باتوا يخشون شبح الحرب وغلاء أسعار المستلزمات المدرسية التي تضاعفت أكثر من مرة مؤخرا".
قصص مقترحة
list of 4 items* list 1 of 4 القمح الإيراني.. بدء الموسم قبل حسم سعر الشراء وتسوية مستحقات المزارعين
* list 2 of 4 إيران توقف التداول الليلي لعملة "تيثر" المشفرة المستقرة وتحدد سقفا لشرائها
* list 3 of 4 الكمية على حساب الجودة.. كيف أثرت الحرب والحصار على موائد الإيرانيين؟
* list 4 of 4 الريال الإيراني يهوي إلى قاع جديد رغم ضخ ملياري دولار لدعم العملة end of list
في سوق "بيلغوش" للقرطاسيات والأدوات المكتبية جنوبي العاصمة طهران، كانت تمسك مينا بقائمة صغيرة بيدها وتتنقل بين الأرفف ببطء وتعيد حساب الأرقام مرات ومرات، موضحة للجزيرة نت أنها كانت تحتفل مع ابنتيها بقدوم العام الدراسي الجديد، فيذهبن معا لشراء الدفاتر والأقلام الملونة والحقائب الوردية، أما هذا العام فقد أصحبت فاتورة المستلزمات المدرسية تؤرقها.
وفي ظل ارتفاع أسعار الزي المدرسي ونفقات النقل، إثر زيادة أسعار البنزين، تقول مينا: "في العام الدراسي الجاري لن تكون الفوارق بين التلاميذ في الطبقة الاجتماعية أو المدرسة فقط، بل في من يستطيع شراء مستلزمات كاملة ومن يقتني الضروريات.. هذا ليس عدلا.. يفترض أن يبدأ كل الأطفال عامهم الدراسي بالفرح لا بالحرج".
مصدر الصورة
صدمات سعرية
ما تعيشه هذه السيدة الإيرانية ليس حالة معزولة ولا استثناء فرديا، ففي اقتصاد أنهكته سنوات من العقوبات والحروب والحصار زادت أسعار المستلزمات المدرسية إلى جانب سلسلة من الصدمات السعرية الأخرى، لاسيما عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وفي السياق نشرت صحيفة "فرهيختكان" المتخصصة في شؤون التعليم والتربية، تقريرا عن فاتورة أخرى غالبا ما تغيب عن العين، وهي ارتفاع أسعار الكتب المساعدة (التكميلية) بنسبة 215% خلال عام واحد، وبنسبة 700% مقارنة بالأيام الأولى من العام الدراسي 2024، في مؤشر على أن المصادر التعليمية تحولت في وقت قصير جدا من سلعة استهلاكية معتادة إلى منتج باهظ الثمن.
وفي وقت يحتاج فيه التلاميذ إلى الكتب المساعدة أكثر من أي وقت مضى بسبب تعقيدات التعليم في زمن الحرب، وتصاعد الاحتمالات بعودة الدراسة الافتراضية خلال الفترة المقبلة، اعتبرت الصحيفة اقتناء مثل هذه الكتب يكاد يصبح إجباريا لشريحة واسعة من التلاميذ، لأن الكتب المدرسية الأساسية لم تعد كافية لسد الاحتياجات التعليمية لا سيما لأولئك الذين يستعدون لامتحان القبول الجامعي.
بيد أن غلاء الكتب المساعدة يحولها إلى رفاهية لا يقتنيها سوى من يمتلك الاستطاعة المالية.
مصدر الصورة
بائعو الأدوات المكتبية
يقول كيان (62 عاما) -بائع كتب ومستلزمات مدرسية- إن "الأسر الإيرانية ما زالت تشتري نسبة كبيرة مما يحتاجه أبناؤها لكن لم تعد السوق تعج بالناس كما الأعوام الماضية، وتكاد بعض المستلزمات تتحول من ضروريات إلى كماليات مؤجلة".
ويضيف كيان للجزيرة نت: "مع بدء العام الدراسي الجديد تحول سوق المستلزمات المدرسية إلى ساحة مواجهة بين الحاجة والمقدرة. أصبحت الأسر تشتري على مراحل بدلا من التسوق مرة واحدة".
ويضيف وهو يمسك دفترا: "سعره لم يكن يتجاوز 5 ملايين ريال قبيل الحرب، بيد أن قيمته بلغت هذا الأسبوع أكثر من 10 ملايين ريال". (الدولار يوازي نحو مليونين و550 ألف ريال إيراني).
ويتحدث كيان عن حملات شعبية بمشاركة مؤسسات خيرية لتوفير المستلزمات المدرسية للأسر محدودة الدخل.
وفي جولة ميدانية لمراسل الجزيرة نت بشوارع طهران، لم تكن مظاهر الاحتفال بعودة الدراسة حضوريا وحدها ما يلفت الأنظار. فإلى جانب الحملة الدعائية الواسعة للتذكير بالاستهداف الأمريكي لمدرسة ميناب جنوبي البلاد، تنتشر لافتات معلقة على مقربة من المدارس والمساجد تدعو إلى حملات شعبية لجمع التبرعات لتوفير المستلزمات المدرسية وتوزيعها على التلاميذ المحتاجين.
مصدر الصورة
رسوم إضافية
ولم تعد المصاريف تقتصر على المستلزمات المدرسية، إذ باتت المدارس الحكومية تفرض رسوما على ذوي التلاميذ.
ويقول بابك (37 عاما) -والد تلميذة في الصف الثامن في مدرسة حكومية غربي طهران- للجزيرة نت، "في بداية العام الدراسي، تطلب إدارة المدرسة مبالغ إضافية، رغم منع وزارة التعليم والتربية المدارس من تقاضي مثل هذه المبالغ".
ولفهم تداعيات هذا الغلاء على العملية التعليمية، يقول الدكتور فرج كميجاني، الأمين العام لـ"جمعية معلمي إيران الإسلامية"، إن المسألة أعمق من مجرد ارتفاع أسعار بعض الأدوات المدرسية، و"الأخطر في الأمر هو أثر الغلاء على جودة التعليم وتأثيره على مستقبل التلاميذ".
مصدر الصورة
فجوة تعليمية
في حديثه للجزيرة نت يضيف كميجاني: "عندما تصبح القدرة المالية للأسرة هي التي تحدد ما إذا كان الطفل سيتلقى تعليما جيدا أو لا، فإن الفجوة الاقتصادية تتحول إلى فجوة تعليمية"، متابعا: "إذا لم تُدَرْ هذه الأزمة بحكمة، فإن الفجوة التعليمية ستتحول في نهاية المطاف إلى فجوة اجتماعية، وستعمق التفاوت الطبقي".
وعن خطر التسرب من التعليم، يوضح كميجاني أن "زيادة تكاليف التعليم وحدها ليست السبب الوحيد للتسرب، لكنها بالتأكيد عامل مسرّع"، مضيفا أن الأخطر من التسرب الكامل هو ما قد يسبقه: انخفاض الحضور، تراجع المشاركة في الفصول، والتخلي عن الأنشطة المكملة، والدفع نحو سوق العمل المبكر".
ويشرح "نحن لا ننتظر أن نرى أطفالا خارج المدارس لنعرف أن هناك أزمة. الأزمة تبدأ عندما يُحرم طفل من كتاب، أو من وسيلة نقل، أو من وجبة غذائية أو من حتى دفتر، عندها لا يعود التعليم حقا متساويا بل يصبح امتيازا لمن يستطيع الدفع".
ويقول كميجاني إن "التعليم بالنسبة للأسرة الإيرانية ليس ترفا يمكن التضحية به وإنما أولوية قصوى، ولذلك حين ترتفع التكاليف لا يتردد كثير من الأسر في التضحية باحتياجاتها الأخرى. لكن هذه التضحية مهما كانت نبيلة لا ينبغي أن تصبح بديلا عن مسؤولية الدولة".
ويشدد على ضرورة أن تكون المدارس الحكومية قادرة على تأمين الحد الأدنى من الجودة وبالمجان وفق الدستور الإيراني، حتى لا يُضطر أصحاب الأمور إلى دفع تكاليف باهظة خارجها.