في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يعد السؤال في واشنطن هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قواعد أمان، بل من يضع هذه القواعد، ومتى، وما إذا كانت الحكومات قادرة على مواكبة تقنية تتطور وتنتشر بوتيرة أسرع من قدرتها على مراقبتها.

فحين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أمس الأحد، تأسيس ما أطلق عليه "قوة الذكاء الفائق" لتنسيق استجابة الحكومة للذكاء الاصطناعي، كانت شركات التكنولوجيا تستعد لإطلاق نماذج أكثر قدرة وأقل قابلية للرقابة المركزية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "الصهيونية عنصرية".. كيف قرأت الصحافة الإسرائيلية قرار الخضر البريطاني؟
* list 2 of 2 بعد سحب القاذفات.. هل تدخل حرب إيران مرحلة جديدة؟ end of list

إذ كانت شركة "ريفليكشن" الناشئة تستعد لإطلاق نموذج قوي مفتوح الأوزان، في حين كشف الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، سام ألتمان، عن موقف يقوم على قبول بعض الأضرار باعتبارها ثمنا للتقدم، مع استثناء خطر قال إنه غير مقبول، وهو "فقدان خطير للسيطرة على الذكاء الاصطناعي".

قوة الذكاء الفائق

تنطلق أرضية هذا المشهد المعقد من واشنطن بوست، حيث نقلت الصحفية عن كات زاكروفسكي تفاصيل تشكيل قوة الذكاء الخارق بقيادة 4 من صقور الإدارة وهم: مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون، ورئيس لجنة التجارة الفدرالية أندرو فيرغسون، ومدير مكتب إدارة الموظفين سكوت كوبور، ووكيل وزارة الحرب للبحوث والهندسة إميل مايكل.

ويعكس اختيار هؤلاء المسؤولين اتساع نطاق القضية. فالاستخبارات معنية بالأخطار السيبرانية، ولجنة التجارة بالتنظيم وسلامة الأنظمة، في حين يمثل كوبور صلات رأس المال الاستثماري بصناعة الذكاء الاصطناعي، ويأتي مايكل من المؤسسة العسكرية حيث يحتدم النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب.

ووفقا لواشنطن بوست، فإن هذا الإعلان -الذي نشره ترمب على منصة تروث سوشيال الخاصة به- يأتي وسط خلافات داخل إدارته ونقاشات أمنية حول كيفية مواجهة التهديدات الأمنية المتقدمة التي تفرضها نماذج لشركات مثل أنثروبيك تتمتع بقدرة تتجاوز البشر في العثور على بعض الثغرات البرمجية.

إعلان

وتفيد الصحيفة أنه على الرغم من دعوات الإبطاء التي أطلقها بعض قادة قطاع التكنولوجيا، يصر ترمب على رؤية الذكاء الاصطناعي محركا للرخاء المالي، متبنيا توجها يرفض التقييد المفرط ويعتمد على اتفاقيات أخلاقية طوعية جرى توقيعها في البيت الأبيض مع عمالقة التقنية مثل غوغل، وأنثروبيك، وميتا، وإنفيديا، وأوبن إيه آي.

وتبرز أهمية الخطوة، وفق زاكروفسكي، في كونها إحدى أبرز محاولات الإدارة الأمريكية للاستجابة للقلق المتزايد من سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، بعد أن كان الرئيس يركز بصورة أكبر على فوائده الاقتصادية وقدرته على تعزيز فرص منافسة بلاده مع الصين.

لكن يبدو وراء هذه الخطوة تناقض واضح؛ فالإدارة تريد تسريع التطوير للحفاظ على التفوق الأمريكي، في الوقت الذي تحذر فيه أجهزة حكومية من أن بعض النماذج أصبحت قادرة على اكتشاف ثغرات برمجية بدرجة تتجاوز البشر في بعض المهام، مما يثير مخاوف من استخدامها لتنفيذ هجمات معقدة على شبكات الطاقة والمصارف والمؤسسات الحكومية.

التحول نحو النماذج مفتوحة الأوزان يتيح للمؤسسات تشغيل نماذج وتخصيصها داخل بنيتها الحاسوبية الخاصة، لكنه يجعل مراقبة استخدامها بعد انتشارها أكثر صعوبة

بواسطة أكسيوس

الزلزال القادم

وفي قلب هذه التحولات المتسارعة، يسلط تقرير نشره موقع أكسيوس الإخباري للصحفي برادلي أولسون الضوء على زلزال تقني قادم تتمثل رموزه في شركة "ريفليكشن" الناشئة المدعومة من إنفيديا، التي تستعد لإطلاق نموذج قوي مفتوح الأوزان يهدد الهيمنة المطلقة لما يُعرف بـ"العمالقة الثلاثة".

هذا التحول نحو النماذج المفتوحة -التي تتيح للشركات بناء "مختبرات للذكاء الاصطناعي" سيادية وخاصة بها باستخدام بياناتها وبيئاتها الحاسوبية المستقلة- يعيد رسم خريطة المنافسة في وجه النماذج الصينية الصاعدة والشركات الغربية المغلقة مثل تشات جي بي تي.

وتشير المعطيات إلى أن هذه الشراكات الإستراتيجية، المعززة بصفقات تأجير خوادم ضخمة مع شركتي سبيس إكس ونيبيوس، تكرس رؤية الرئيس التنفيذي لإنفيديا، جينسن هوانغ، في تمكين المؤسسات الكبرى والبنوك ووزارة الحرب من امتلاك تقنياتها دون الوقوع في فخ التبعية أو الأخطار الأمنية للنماذج الأجنبية.

لكنّ الانفتاح يحمل في طياته مشكلة أمنية وتنظيمية؛ ذلك أنه كلما أصبح النموذج أقوى وأرخص وأسهل تخصيصا، أصبح من الصعب على جهة واحدة معرفة من يستخدمه وكيف يستخدمه بعد خروجه إلى جهات أخرى.

ولذلك فإن صعود نماذج الأوزان المفتوحة يوسع نطاق التساؤلات من "كيف نراقب شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى؟" إلى سؤال أكثر تعقيدا: "كيف يمكن تنظيم قدرة تقنية أصبحت قابلة للانتشار خارج نطاق تلك الشركات؟".

مصدر الصورة سام ألتمان وافق ضمنيا على مقترحات إبطاء النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي وتقنين الرقابة الخارجية عليها (رويترز)

للتقدم ثمنه

بيد أن الجانب الفلسفي والأخلاقي الأشد إثارة للجدل يتبلور في مقابلة نشرتها "ديكودد" التابعة لبوليتيكو مع الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" سام ألتمان، أعدها الصحفيان كريستين موي وبريندان بورديلون، وواكبها تقرير إضافي لموقع ديلي بيست بقلم إركي فورستر.

إعلان

ففي مقاربة تصعيدية تُميِّز موقفه عن منافسته الكبرى أنثروبيك ورئيسها التنفيذي داريو أمودي، أطلق ألتمان تصريحا مدويا اعتبر فيه أن "العالم يجب أن يقبل وقوع بعض الأمور السيئة مقابل فوائد هذه التكنولوجيا ومنح الناس حرية التصرف".

وبعد أن أبدى ألتمان موافقته الصريحة مؤخرا على مقترحات لإبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدما ومنح مقيمين مستقلين وصولا واسعا لاختبارها، دافع الآن عن نهجه القائم على تنظيم أخف.

وأعرب ألتمان عن رفضه فكرة أن يحتكر مختبر واحد في سان فرانسيسكو أكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرة ويتولى وحده تحديد كيفية توزيع فوائدها، مؤكدا في الوقت ذاته أنه لا يقبل الأخطار الكارثية مثل "فقدان خطير للسيطرة على الذكاء الاصطناعي".

غير أن عبارة "الأخطار الكارثية" هذه هي النقطة الأكثر أهمية في الجدل الحالي. فالمشكلة لم تعد مجرد احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في الاحتيال أو القرصنة، وهي أضرار قال ألتمان إن المجتمع قد يضطر إلى تحمل قدر منها مقابل فوائد التكنولوجيا.

بل إن الخطر المختلف نوعيا هو أن تصبح الأنظمة قادرة على تنفيذ سلسلة من الأفعال بصورة مستقلة وبسرعة تجعل التدخل البشري متأخرا أو غير فعال.

بينما يؤكد الساسة وقادة التكنولوجيا قدرتهم على وضع ضوابط لتطور الذكاء الاصطناعي، أعادت حوادث شهدت تصرف وكلاء ذكاء اصطناعي خارج التعليمات خلال اختبارات وتجارب، النقاش حول حدود السيطرة البشرية على الأنظمة الأكثر استقلالية

صراع بين مقاربتين

أما تقرير الصحفي إركي فورستر في موقع ديلي بيست، فيقدم موقف ألتمان بلهجة أكثر تحذيرا، مركزا على فكرة أن فلسفة "التنظيم الخفيف" تعني قبول وقوع بعض الأضرار أثناء تعلم المجتمع كيفية التعامل مع التكنولوجيا.

ويشير التقرير إلى التحذيرات المتزايدة من باحثين ومديرين في الصناعة بشأن الأخطار الكارثية المرتبطة بخروج الأنظمة عن السيطرة.

تتجمع هذه الخيوط جميعها لتعكس سؤالا أوسع وأكثر إلحاحا حول أمان الذكاء الاصطناعي ومستقبل السيطرة البشرية.

إن النقاش التنظيمي المتنامي في واشنطن والعواصم العالمية لم يعد محصورا في أطر نظرية، بل تحول إلى صراع مباشر بين مقاربتين: الأولى تمثلها أنثروبيك وتدعو إلى إبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدما وتشديد التقييم الخارجي لها للحد من الأخطار الكارثية.

والثانية تميل إليها إدارة ترمب وبعض قيادات أوبن إيه آي، وتفضل تنظيما أخف، خشية أن تؤدي القيود المفرطة إلى إبطاء الابتكار والتنافسية الجيوسياسية أمام الصين، مع قبول هامش من الأخطار والأخطاء مقابل فوائد التكنولوجيا.

وبينما يتباهى الساسة بقدرة القادة البشريين على ضبط إيقاع التكنولوجيا، تشير التطورات الميدانية وحوادث وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يتصرفون باستقلالية تامة إلى أن الحدود الفاصلة بين الآلة والمتحكم فيها أصبحت تتآكل بسرعة مخيفة.

وختاما، يعكس المشهد الراهن أن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تجاوزت مرحلة التبشير التقني لتلج مرحلة مخاض سياسي وتنظيمي بالغ التعقيد؛ فالتنافس المحتدم بين النماذج المفتوحة والمغلقة، والصدام الفلسفي بين أولوية الأمان المطلق وحتمية الابتكار المفتوح، يؤكدان أن البشرية تقف على حافة حقبة جديدة لا تقتصر تحدياتها على تطوير الخوارزميات، بل تمتد لتختبر قدرة المجتمعات ذاتها على الحفاظ على دفة القيادة في مواجهة ذكاء اصطناعي يتسارع بخطى صاروخية نحو المجهول.