موجة الغلاء تحرك المطالب في لبنان | الحرة
في لبنان قد توازي كلفة الوصول إلى مقر العمل راتبا كاملا، فإغلاق مضيق هرمز، وما رافقه من اضطراب في إمدادات الطاقة، انعكس سريعا على أسعار المحروقات وكلفة النقل، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين حاجاته من المشتقات النفطية.
ولا تنفصل الضغوط التي تواجهها الأسر اللبنانية، عن موجة الغلاء التي أصابت المنطقة بفعل الحرب وارتفاع أسعار الطاقة والنقل والغذاء، لكن وقعها في لبنان أشد، فالمداخيل أنهكتها سنوات الأزمة المالية، والمدخرات لا تزال عالقة في المصارف، والاقتصاد تلقى صدمة حرب جديدة بعدما بدأ يسجل أولى إشارات التعافي.
هذا الواقع دفع موظفي القطاع العام إلى التهديد بالإضراب، فيما وضع الاتحاد العمالي العام التصعيد على الطاولة، قبل أن تفتح المفاوضات الأخيرة في “لجنة مؤشر الغلاء” بابا للتهدئة.
وتشكل اللجنة الإطار الذي يجمع الدولة اللبنانية وأصحاب العمل والعمال، وتتولى دراسة تطور الأسعار وأسباب ارتفاعها ومؤشر غلاء المعيشة، فضلا عن بحث سياسة الأجور ورفع التوصيات بشأنها.
يقول الباحث الاقتصادي، محمد شمس الدين لـ”الحرة” إن كلفة معيشة أسرة لبنانية “متقشفة” مؤلفة من أربعة أفراد ارتفعت، وفق تقديراته، من نحو 900 دولار شهريا في بداية عام 2026 إلى 1260 دولارا حاليا، أي بنحو 40 في المئة، من دون احتساب كلفة الطبابة والتدفئة.
ويضع شمس الدين، السكن في مقدمة النفقات التي سجلت ارتفاعا، مقدرا زيادة الإيجارات بنحو 40 في المئة بفعل الحرب والنزوح وارتفاع الطلب. أما قيمة السلة الغذائية، فارتفعت بنحو 17 في المئة، من 300 إلى 350 دولارا شهريا.
وبالنسبة إلى الكهرباء، فقد أدى تراجع التغذية الرسمية إلى زيادة الاعتماد على المولدات، بالتزامن مع ارتفاع التعرفة، وفق شمس الدين، من نحو 28 ألف ليرة إلى 48 ألفا للكيلوواط. ويقول إن فاتورة منزل متواضع كانت في حدود 100 دولار باتت تقارب 270 دولارا.
وفي موازاة ذلك، تضاعفت تقريبا كلفة صفيحة البنزين، من نحو 15 دولارا إلى قرابة 30 دولارا، لتضيف عبئا يصعب تفاديه بالنسبة إلى من يعتمد على سيارته في تنقلاته اليومية، فيما يبلغ الحد الأدنى الرسمي للأجور 28 مليون ليرة لبنانية شهريا (نحو 314 دولار).
وتظهر وطأة ارتفاع أسعار المحروقات بصورة أكبر لدى موظفي القطاع العام في لبنان، حيث لم تواكب بدلات النقل الارتفاع في الأسعار.
ويصف رئيس رابطة موظفي القطاع العام، وليد جعجع، لـ”الحرة” أوضاع الموظفين بأنها “مزرية جدا”، مشيرا إلى أن الموظف يتقاضى اليوم ما يعادل نحو 30 إلى 40 في المئة مما كان يتقاضاه عام 2019، في وقت ارتفعت فيه كلفة المعيشة بصورة كبيرة.
وقبل التسوية الأخيرة التي تم التوصل إليها في لجنة مؤشر الغلاء، كان البدل اليومي الخاص بالنقل يبلغ 450 ألف ليرة. ويلفت جعجع إلى أن هذه القيمة أُقرت عندما كان سعر صفيحة البنزين في حدود 15 دولارا، قبل أن يتضاعف تقريبا.
وللدلالة على حجم الفجوة، يعطي جعجع مثالا بموظف يتقاضى 450 أو 500 دولار شهريا، فيما قد تبلغ كلفة انتقاله إلى العمل والعودة منه نحو 25 دولارا يوميا. ويقدّر كلفة خمسة أيام من الحضور أسبوعيا بنحو 125 دولارا، ما يعني أن الانتقال إلى العمل على مدى 20 يوما قد يستهلك الراتب الشهري كاملا، أو يتجاوزه.
وأمام هذا الواقع، طالبت الرابطة برفع بدل النقل اليومي إلى ما يعادل عشرة ليترات من البنزين، وربط بدل المحروقات بالسعر الفعلي للصفيحة، إلى جانب تصحيح الرواتب بما يعيد إليها جزءا من قدرتها الشرائية.
وجاء اجتماع لجنة مؤشر الغلاء في نهاية سبتمبر في ظل هذه الضغوط. وأسفر عن اتفاق على آلية جديدة لبدل النقل تقوم على احتساب ما يعادل كلفة خمسة ليترات من البنزين عن كل يوم عمل، وفق متوسط السعر خلال الشهر، على ألا يقل البدل اليومي عن 500 ألف ليرة (نحو 5.6 دولارات) ولا يتجاوز 800 ألف ليرة (نحو 8.9 دولارات).
كما اتفق المجتمعون على رفع التعويض العائلي عن الزوج أو الزوجة من مليونين و100 ألف ليرة (نحو 23.5 دولار) إلى ثلاثة ملايين ليرة (نحو 33.5 دولار)، وعن كل ولد من مليون و155 ألف ليرة (نحو 12.9 دولار) إلى مليون و600 ألف ليرة (نحو 17.9 دولار)، حتى خمسة أولاد.
لكن الانتقال من الاتفاق إلى التنفيذ يحتاج إلى استكمال الإجراءات القانونية وصدور المراسيم اللازمة، فيما بقي الحد الأدنى للأجور قيد التفاوض.
ويقول رئيس الاتحاد العمالي العام، بشارة الأسمر، في تصريح لـ”الحرة” إن اجتماع لجنة المؤشر جاء في إطار “التعاطي مع الواقع”، معتبرا أن ما تحقق يمثل “معالجة جزئية ومرحلية لمسألة النقل”.
وكانت النتائج كافية لدفع الاتحاد إلى التريث في التصعيد. ويقول الأسمر إن الاتجاه الحالي “إيجابي”، في انتظار استكمال البحث في الحد الأدنى للأجور، لكن ذلك لا يغير توصيفه لأوضاع العمال في القطاعين العام والخاص بأنها “سيئة جدا”.
من جانبه، يشير جعجع إلى وجود “بعض البوادر الإيجابية” في الاتصالات مع لجنة المؤشر، لكنه يؤكد أن الطروحات المقدمة حتى الآن لا تلبي مطالب التجمع، ويضيف أن تحديد الخطوات المقبلة يتوقف على ما ستؤول إليه المفاوضات وموقف وزارة المال والجهات المعنية.
في المحصلة، تمنح التسوية الجديدة لبدل النقل الموظفين والعمال بعض التعويض عن ارتفاع كلفة التنقل، فيما تتجه الأنظار إلى المفاوضات المرتقبة بشأن الحد الأدنى للأجور.