175 عاما و5 أجيال.. كيف صمدت نيويورك تايمز في وجه الرؤساء والإنترنت؟
روى ناشر صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية الحالي آرثر غريغ سولزبرغر كيف نجت الصحيفة من أخطر مرحلة في تاريخها مع صعود الإنترنت. وأرجع ذلك إلى نهج تتوارثه عائلته منذ 5 أجيال، يقوم على الاستثمار في جودة الصحافة والتمسك باستقلاليتها مهما كان الثمن.
جاء ذلك في مقال نشرته الصحيفة، الأربعاء الماضي، بمناسبة مرور 175 عاما على تأسيسها. وكان سولزبرغر وهو سليل العائلة التي تملك الصحيفة قد ألقى نص المقال قبل ذلك بيوم في كلمة بمركز وارتن للفنون الأدائية في جامعة ولاية ميشيغان.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 تريدان السلم وتواصلان الحرب.. لماذا تفشل الدبلوماسية بين أمريكا وإيران؟
* list 2 of 2 نفوذها تحت الاختبار.. أيباك تنفق بسخاء لانتخاب حلفائها وأموالها تصنع أعداء جددا end of list
على حافة الهاوية
يعود سولزبرغر بالقرّاء إلى عام 2004، حين كانت نيويورك تايمز شركة مزدهرة في صناعة مزدهرة. فقد كانت مجموعة إعلامية متنوعة يعمل فيها أكثر من 12 ألف موظف، وتبلغ إيراداتها 3 مليارات دولار سنويا، وكانت تشيد مقرا جديدا فخما صممه أحد أشهر المعماريين في العالم.
لكن الإنترنت كان يكتسب زخما في الوقت نفسه، ويوشك أن يجتاح كل مؤسسة تقليدية تقف في طريقه. وخلال العقد التالي خسرت الشركة نحو ثلاثة أرباع قوتها العاملة، وتراجعت إيراداتها بأكثر من النصف، وهبط سعر سهمها من 48 دولارا إلى 4 دولارات.
ويروي الناشر أن الشركة اضطرت تحت ضغط الحاجة إلى السيولة لبيع مقرها الجديد بعد عامين فقط من افتتاحه. ثم صارت تستأجر مكاتب في المبنى الذي يحمل اسمها.
ويضيف أن الوضع كان مرشحا لمزيد من السوء، فالمكاسب الرقمية المتواضعة لم تعوض انهيار الصحيفة الورقية، ومواقع ناشئة مثل "بازفيد" و"هافينغتون بوست" كانت تجتذب قراء أكثر بكثير. كما أن الموظفين المبدعين بدؤوا يغادرون لأن ثقافة الشركة كانت تخنق الابتكار.
مصدر الصورة
ويقول سولزبرغر إن نيويورك تايمز بدت حينها شركة أخرى ستلحق بشركات مثل "زيروكس" و"كوداك" و"بلوكباستر"، التي ركنت إلى الراحة وتأخرت في التغيير. ويستشهد بمقال نشرته مجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية عام 2009 تساءل كاتبه عما إذا كانت الصحيفة ستغلق أبوابها خلال أشهر.
من مليون إلى 13 مليون مشترك
لكن الصحيفة صمدت رغم كل التوقعات، بل صارت تدرس باعتبارها نموذجا لتحول المؤسسات التقليدية. ويوضح ناشرها أن عدد مشتركيها الذين يدفعون مقابل الحصول على محتواها ارتفع من نحو مليون إلى أكثر من 13 مليونا، في وقت شهدت فيه معظم المؤسسات الإخبارية انهيار جمهورها وإيراداتها.
ويشير سولزبرغر إلى أن الإيرادات والأرباح أخذت تنمو بثبات، وأن سعر السهم تجاوز مستواه في ذروة ما قبل الإنترنت. ويضيف أن الصحيفة استعادت ملكية مقرها.
ويرجع سولزبرغر هذا الصمود إلى ما يسميه "الوصاية". ويقصد بها نموذجا في القيادة يضع صحة المؤسسة على المدى الطويل فوق كل اعتبار، ويسترشد بالتزامين هما القيمة والقيم.
ويشرح أن القيمة تعني الهوس بجودة المنتج وتقديم أفضل تجربة ممكنة للجمهور، دون اللجوء إلى الصيحات العابرة أو التسويق الصاخب. أما القيم فهي الاستقلالية والنزاهة وخدمة الصالح العام، ويرى أنها ليست كما يقول البعض مثالية وغير عملية، بل هي أساس للنجاح التجاري على المدى البعيد.
عائلة في خدمة الصحيفة
تدير عائلة أوكس سولزبرغر الصحيفة منذ 130 عاما. ويقول الناشر إن ما يجري داخلها أقل إثارة بكثير مما يظهر في المسلسلات التي تصور صراعات العائلات الثرية. ويوضح أن مهمة العائلة ليست الشهرة أو الثروة، بل حماية مؤسسة أمريكية أساسية وتقويتها.
ويضيف أن كل جيل يعلّم الجيل التالي أن الصحيفة لا تخدم العائلة بل العائلة هي التي تخدم الصحيفة. ويستحضر عبارة كانت جدته الكبرى إيفيجين تكررها على مسامعهم: "ممنوع التعالي". ويعترف سولزبرغر بأنه وأسلافه ارتكبوا أخطاء من كل نوع، بعضها كبير. فبعض مجالات التغطية لم تصمد أمام الزمن، والشركة سلكت طرقا تجارية مسدودة كثيرة.
أوكس.. البداية من الإفلاس
يروي الناشر قصة جده الأكبر أدولف أوكس، ابن المهاجرين الذي ترك الدراسة الثانوية وبدأ عاملا في المطابع بولاية تينيسي حتى امتلك صحيفة "تشاتانوغا تايمز". وفي عام 1896 اشترى نيويورك تايمز بـ75 ألف دولار، أي ما يعادل نحو 3 ملايين دولار اليوم، وكانت حينها توزع 9 آلاف نسخة فقط وتقف على حافة الإفلاس.
مصدر الصورة
وقد سعى أوكس لوقف الخسائر من خلال تقليص الوظائف الإدارية، لكنه في الوقت نفسه زاد الإنفاق على الصحيفة وأطلق ملحقا لمراجعات الكتب ومجلة، ثم خفض سعر الصحيفة من 3 سنتات إلى سنت واحد. وكان يراهن على أن القراء سيكتشفون تفوقها حين يجربونها.
ويقول سولزبرغر إن هذه الخطوة أسست وصفة العائلة في مضاعفة الاستثمار في الجودة كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية.
وتعهد أوكس منذ يومه الأول بأن تنقل الصحيفة الأخبار بنزاهة "دون خوف أو محاباة". وسرعان ما اختُبر هذا التعهد حين طالبه مصرفي بارز من كبار المساهمين بفصل محرر الشؤون المالية لتركيزه على فساد الشركات. فرد عليه أوكس بأنه لا يملك أي سلطة على السياسة التحريرية للصحيفة.
خلف أوكس صهره آرثر هايز سولزبرغر الذي أضاف عمودا للطعام والكلمات المتقاطعة اليومية. وخلال الحرب العالمية الثانية ، حين قنّنت الحكومة الأميركية ورق الطباعة، اختار أن يرفض الإعلانات لإفساح المجال لمزيد من الأخبار، فارتفع عدد القراء بنهاية الحرب.
وفي سبعينيات القرن الماضي واجه آرثر أوكس سولزبرغر المعروف بلقب "بانش" اقتصادا قاسيا حين تحول المستهلكين إلى التلفزيون. لكنه ضاعف عدد الأقسام اليومية وأضاف أقساما للعلوم والرياضة وأسلوب الحياة، وكان يرى أنه حين يخفف الآخرون الحساء فالأفضل أن تضيف إليه مزيدا من الطماطم.
أما آرثر سولزبرغر الابن – والد الكاتب – فتولى المسؤولية مع بزوغ الإنترنت. وراهن مبكرا على نشر الصحيفة كاملة على الإنترنت، ثم فرض الاشتراكات الرقمية بعد 15 عاما، في وقت كان الخبراء يرددون فيه أن المعلومات يجب أن تكون مجانية.
ويقول الناشر إن أشجع رهانات والده جاء وسط انهيار نموذج العمل، فقد باع أكثر من 40 أصلا تملكها الشركة بينها صحف ومحطات تلفزيون وحصة في نادي "بوسطن ريد سوكس" للبيسبول، وتقلص عدد الموظفين إلى 3500. لكنه أبقى عدد العاملين في غرفة الأخبار ثابتا رغم تراجع الإيرادات.
ثمن الاستقلالية
يؤكد سولزبرغر أن الاستقلالية تعني متابعة الحقائق أينما كانت، ومهما كانت النتائج، حتى لو أغضب ذلك أصحاب النفوذ أو كلّف الصحيفة ثمنا ماليا. ويوضح أنها تنشر قصصا تعلم أنها قد تدفع قراء لإلغاء اشتراكاتهم ومعلنين لسحب إعلاناتهم، بل تحقق في أخطائها هي نفسها.
ويستعرض محاولات عديدة لإسكات الصحيفة. ففي سبعينيات القرن الـ19 عرض عليها السياسي النافذ في نيويورك ويليام تويد رشوة تفوق قيمتها اليوم 100 مليون دولار لوقف كشف فساده. وبعد نحو قرن رفع أنصار الفصل العنصري في ولاية ألاباما دعاوى قضائية لوقف تغطيتها لحركة الحقوق المدنية.
مصدر الصورة
ويروي أن الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي طلب من جده نقل مراسل كانت تغطيته لحرب فيتنام صادقة أكثر مما تحتمل الإدارة، فرفض. ثم واجه الجد ضغوطا أكبر من الرئيس ريتشارد نيكسون حين نشرت الصحيفة الوثائق السرية المعروفة بأوراق البنتاغون، رغم خطر السجن. ويشار إلى أن أوراق البنتاغون هي تقرير حكومي أمريكي سري من 7 آلاف وثيقة سربت في عام 1971 بواسطة موظف مدني في وزارة الدفاع الأمريكية -وزارة الحرب حاليا- يدعى دانيال إلسبيرغ.
ويضيف أن الرئيس الأسبق جورج بوش الابن طلب من والده عدم نشر تقرير يكشف تنصت إدارته سرا على مكالمات الأمريكيين. لكن الصحيفة نشرت التقرير بعد دراسة متأنية.
ويقول سولزبرغر إنه جلس مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي قاضى الصحيفة 3 مرات واستخدم أجهزة حكومية لاستهداف أعمالها وطرد صحفييها من البنتاغون ثم البيت الأبيض. ويؤكد أنه أبلغه أن الصحافة الحرة جزء أساسي من النسيج الوطني. ويشير إلى أن تحقيقات الصحيفة عن استغلال ترمب سلطته لإثراء عائلته نالت جائزة بوليتزر هذا العام.
حين تدفع الصحيفة الثمن
تمتد الاستقلالية في رأي سولزبرغر إلى مصالح الصحيفة التجارية، فكون المنتج السينمائي هارفي واينستين معلنا كبيرا فيها لم يمنعها من كشف اتهامات بسوء سلوكه الجنسي.
وفي عام 2012، كانت الصحيفة قد أنفقت ملايين الدولارات على إطلاق موقع باللغة الصينية، حين كشف أحد مراسليها أن عائلة رئيس الوزراء الصيني جمعت ثروة سرية خلال توليه منصبه. ونشرت الصحيفة التقرير رغم تهديدات بكين، فحجبت السلطات الصينية موقعها ثم تطبيقاتها، وما زالت محجوبة حتى اليوم.
مصدر الصورة
ويقول سولزبرغر إنه ينصح كل ملياردير يشتري مؤسسة إخبارية بأن إدارتها لا تشبه إدارة أي شركة أخرى. فهي تتطلب حبا صادقا للصحافة واستعدادا لفعل ما قد يبدو مضرا بمصالح المؤسسة. ويرى أن كل خيار صعب لصالح الجودة والقيم يعزز ثقة القراء.
صندوق عائلي يمنع البيع
يوضح الناشر أن نحو 100 فرد من عائلته الممتدة يسيطرون على الشركة عبر صندوق عائلي. ويلتزم الصندوق بوصية الجد أدولف أوكس التي ألزمت أحفاده بالحفاظ على استقلالية الصحيفة ونزاهتها وتكريسها للصالح العام.
ويروي أن جيل أحفاد أوكس قرر بعد أن رأى عائلات صحفية أخرى تتفكك في خلافات على الثروة أن يجمّد أسهم السيطرة في الصندوق لقرن آخر. ودمجوا 4 صناديق لفروع العائلة في صندوق واحد، فتخلى بعضهم عن نحو نصف حصصه لضمان سيطرة مشتركة.
ويضيف أن الفضل لا يعود إلى العائلة وحدها، ويشيد بالرئيسة التنفيذية ميريديث كوبيت ليفين ويصفها بأنها أكفأ قائدة أعمال رآها، وبرئيس التحرير التنفيذي "جو كان" ويصفه بأنه الأفضل في الصحافة، ويشير إلى أن أغلبية أعضاء مجلس الإدارة من المستقلين.
لا يرى سولزبرغر في طول عمر الصحيفة ضمانة لمستقبلها، ويستشهد بشركة خليج هدسون الكندية التي صمدت 355 عاما ثم أغلقت العام الماضي.
ويؤكد أن ما حققته الصحيفة في العقد الأخير هو مجرد حق المنافسة في العقد المقبل. ويذكّر بأنها رغم نجاحها تعمل في صناعة تنهار، وأنها صغيرة أمام عمالقة التقنية. فشركة غوغل تحقق في يوم واحد أرباحا تفوق ما تحققه الصحيفة في عام كامل.
ويقول إن مهمة جيله بالشراكة مع ابني عمه سام دولنيك وديفيد بيربيتش هي قيادة الصحيفة في مواجهة الهجمات على حرية الصحافة وصعود الذكاء الاصطناعي.
ويشير إلى أن الصحيفة ضاعفت تقريبا عدد العاملين في غرفة الأخبار خلال العقد الأخير، وزادت عدد الصحفيين الاستقصائيين أكثر من 3 أضعاف. كما صار البودكاست "ذا ديلي" والنشرة البريدية "ذا مورنينغ" الأكبر في الولايات المتحدة، وتضاعفت عمليات إنتاج الفيديو خلال عامين.
ويضيف أن الصحيفة توسعت في خدمات أخرى، منها تطبيق للطبخ يضم 25 ألف وصفة، وموقع "ذا أثليتيك" الرياضي، وموقع "واير كتر" لمراجعات المنتجات، إلى جانب تطبيق ألعاب يضم الكلمات المتقاطعة وألعابا مثل ووردل.
ويختم سولزبرغر بأن الصحيفة تستثمر في التقارير الأصلية أكثر من أي وقت مضى، في بيئة إعلامية يغزوها المعلقون والمؤثرون. ويؤكد أنه سيكون قد أدى مهمته إذا سلّم خليفته شركة أقوى مما تسلمها.